بَهْ

لم يكن قد لامسَ يدي بعد. كان كلّ شيء ما يزال غائرًا وبعيدًا، وكنتُ أحسُّ بحنين إلى مذاق الشّاي.
"مَن وراءك؟"
من الواضح أنّه ليسَ من مُحبّي التّنقيب، سَلخُ جلدِ أحدِهم إلى أن يتذكّر أسهلُ من استجداءِ لا وعيِه.
كانَ كلّ شيء ما يزال غائرًا وبعيدًا. أردتُ أن أتذكّرَ لأقول، أو أبدأ بالكلامِ عَلِّي أتذكّر أثناء ذلك، غيرَ أنّ أيًّا من ذلك لم يكن في متناوَل اليد.
قَدْحة.. قَدحتان.. ثمّ صوت اشتعالٍ وبدايةُ نورٍ ما لا يكفي بعد..
"أنتَ مِن هُنا بالولادة"، مَجَّ وأفلتَ الدّخان: "... لماذا تحاول التّسلّلَ إلى هناك؟".
آهٍ.. أعتصرُ الحنجرةَ وأعتصِرُ الذّاكرة.. عَبَثًا..
"لن يريدوكَ هناك أيّها الأبله! لا شيءَ فيك يُشبِهُهم هناكَ أقولُ لك، ولا تُشبِهُنا هنا غيرَ أنّك مِنّا بالولادة".
تكتكة هشيمٍ من اللّفافة، ولم يسبق أن شعرتُ بهذه الحاجة إلى الموسيقى.. أيّ موسيقى..
أريد أن أقولَ له أنّني أحتاج موسيقى: "بَهْ!"..
"كُفَّ عن اصطناع الخَبَل.. عامٌ في الرّوضة، ثمّ اثنا عشرَ عامًا في المدرسة، ثمّ خمسة أعوام في الكلّيّة، ثمّ عامان في معهد الماجستير، لتقولَ لي: بَهْ؟!!"
رائحةُ التّبغ تنفذ وتتغلغل فيّ.. أذكر أنّني تركتُ الكتابَ مقلوبًا على الطّاولة والإبريقَ على النّار يشارفُ على الغليان قبلَ أن أخرج.. ثمّ "بَهْ"..
لقد استبدلوا حنجرتي بـ"بَهْ" على الطّريق، وبصري ببدايةِ نورٍ لا يكفي بعد، وذاكرتي بكتابٍ مقلوبٍ وإبريق يُشارف على الغليان.
"مبسوط؟! دفعت عائلتُكَ دمَ قلبِها عليك لتقولَ لي: بَهْ؟"
لو كنتُ أراكَ بما يكفي يا ذا الصّوت الغريب.. ما لك بدمِ قلبِ عائلتي؟
وفي الحائط أنّةٌ مكتومةٌ يسحقُها بعقب لُفافتِه، وأشعر أنّني تأخّرتُ على شيء ما.
صدّقني – يا ذا الصّوتِ وبدايةِ النّور الّذي لم يكن يكفي بعدُ ثمّ انطفأ – كنتُ لأتحدّثَ وأنهي هذه الغرائبيّةَ الّتي لم تعد تروق لي.
فَتَلني أنا والكرسيّ ثمّ أمالَه وأمالني وتركَنا مُعلَّقَيْن في الهواء كجملةٍ قد تكون مهمّة، وكان كلّ شيء قد عادَ غائرًا وبعيدًا بعد أن قرَّبَ الأشياءَ وجعلَها تجحظُ لحظاتٍ بضوء لفافتِه، لكن ليس بما يكفي.
"أتظنّ أنّ ليس لديّ غيرك؟ أم أنّني متفرّغٌ للتّعامل مع فردانيّة كلِّ حالةٍ وخصوصيّتها؟ مُرتّبي لا يكفي لأنسَنَتِكُم يا بَهْ. ولولا دواعٍ لا شأنَ لك بها لعالجتكم في جماعات".
خلعَ حذاءه.. صوتُ خلعِ الأحذيةِ لا يُخطَأ.. لكلّ شيء في الوجود صوتان، صوته وصوت خلعه. وأنا صوتايَ الآن كلاهُما: "بَهْ".
"حسنًا، سأُعيد صياغةَ الأمر. ما رأيك..."، ارتطمَ وجهي بالأرض إذ يبدو أنّه رفسنا أنا والكرسيّ: "... لو قلتُ لك إنّني متعاطفٌ معك، لذا سألغي بقيّة مواعيدي اللّيلةَ وأسهر على معالجتك أنت".
موسيقى.. موسيقى يا بنَ الأوادم..
كان وجهي قد ارتطمَ بالأرض في موضعٍ قالَ لي إسمنتُهُ "بَهْ" فورَ تلامسِنا فعرفته. وكانت الأشياء الغائرة قد أخذت حينها تعلو وتهبط قليلًا كمفاتيح بيانو لكن دون صوت، أو بصوتٍ لا يكفي بعد.
يا ذا الصّوت، أخاف أن يغلي الإبريق قبل أن نتوصّل إلى تفاهم فما لك وما لي؟
"اسمع يا بَهْ، أنت شابٌّ تبدو مُثقّفًا ونظيفًا حتّى الآن. وأنت سيّد العارفين: لكلّ شيء في الوجود صوتان، فهل تظنّ أنّ صوت خلع المثقّفين والنّظيفين سيختلف كثيرًا عن صوت خلع الأُمّيّين والمتّسخين؟ دعنا لا نضطرّ أن نجرّب".
بَهْ..
"مَن وراءَك؟"
بَهْ..
"لماذا تحاول التّسلّلَ إلى هناك؟"
بَهْ..
"بدأتَ تغيظني يا بَهْ"
بَهْ.. بَهْ.. بَهْ..
"أجِبني"
بَهْ..
"حذارِ"
بَهْ.. بَهْ..
"أجبني أقولُ لك"
بَهْ..
"كُفَّ عن هذا يا ولد"
بَهْ.. بَهْ.. بَهْ.. بَهْ..
"توقّف"
بَهْ
"أرجوك"
بَهْ.. بَهْ..
"لا.."
بَهْ..
"لاااااا.."
بَاااااااااااااااااااااااه..
"أتوسّل إليك"
بَهْ.. بَهْ.. بَهْ.. بَهْ.. بَهْ..
بدأ ذو الصّوتِ الغريب يَغلي ويَصْفِر، صارَ صوتُه مألوفًا، صار إبريقًا. وللأباريق صوتٌ واحدٌ فقط، صوت الغليان. الأباريق استثناءُ قاعدةِ الصّوتين الوحيد.
أخذتُ مطبقيّة الشّاي عن الرّف ولَقَّمتُ الإبريقَ لأسكِتَه.
هذا يحدث كلّ مرّة؛ أضعُ الإبريق على النّار لأنّني أريد أن أشربَ الشّاي، ثمّ ينتهي بيَ المطاف في أن ألقّمه لأنّني أريد أن أسكته فقط.
حملتُ الكوبَ وعدت إلى الكتاب المقلوب، رفعته ووضعته على ظهره لأتابع القراءة.
منذ ثلاثِ سنينَ أحاول أن أتابع القراءة، منذ خرجتُ من هناك وصرت في بلد جديد صار اسمه "هنا". بلد جديد لغته هو الآخر تتلخّص في مقطع صوتيّ واحد.
أحاول القراءة وذو الصّوت الغريب يلغو بكلّ أبجديّات ونبرات العالم، وأنا أغمض عينيّ وأعتصرهما وأهتزّ أمامًا وخلفًا بتوتّر. أقرأ في الكتاب كمن يتمتم تعويذةً في زاوية غرفته لطرد روح شرّيرة على وشك التهامه.
هو يلغو وأنا أقرأ.. هو يلغو وأنا أقرأ.. هو يلغو وأنا أقرأ.. أقرأ من الكتاب محاولًا رفعَ صوتي فوق صوته.. أقرأ وأهتزّ بتوتّر.. أقرأ من الكتاب: " بَهْ.. بَهْ.. بَهْ.. بَهْ.. بَهْ.. بَهْ..."

تصويت

71

رقم:36137