الحارس

الحارس

ليلة شاقة أخرى من العمل، عنيدة كعادتها، لا ترحل إلا بعد أن يطلع نهارها هي، وتغرب شمسك أنت.
تكون مضطرا لنوم ساعات من يومك الموالي، لتعويض سويعات فقط من زمنها المديد، لا تفكر في شيء غير الفراش، عندما تصل إلى البيت، ستقصده مباشرة، تغطي وجهك، وتلصق خدك الأيسر بالجدار البارد المنعش، وبعدها بلحظات ستدس رأسك تحت الوسادة بلطف، ثم ترمي ذراعك الأيمن عليها باديا كسباح ماهر، قد تصرح لرجليك بالتغريد خارج الفراش في حالة عاندك النوم في الثواني الأولى، أما زوجتك، فلن تتكلم معها أو تغازلها، أو بتعبير أصح: طاقتك منعدمة لذلك، ستنذرها بنبرتك المعتذرة اليومية:
_سأنام الآن حبيبتي، كانت ليلة مضنية، أفطر عندما أستيقظ، إذا كنت جائعة لا تنتظريني..
في كل مرة تدير وجهها نحو شيء ما متظاهرة أن الأمرين سيان، سواء بقيتَ معها أو عانقتَ الوسادة.
تعدل جلستَك على الكرسي، تحدّثُ نفسَك بصوت مسموع: «الحمد لله على كل حال، عيناي لن تمسهما النار»، متذكرا الحديث النبوي الذي سمعته يوما في المذياع وحفظته عن ظهر قلب:
"عينان لا تمسهما النار: عين بكت خشية من الله وعين باتت تحرس في سبيل الله".
فتتنهد بهدوء مخرجا نفسا دافئا.
الساعة تشير إلى الثالثة بعد منتصف العياء، ومازالت عيناك تساورانك بشراسة، متشبثتين بموعد استراحتهما الطبيعي.
العمارة خلف ظهرك والظلام أمامك ومن حولك، كفارس مغوار يتزعم الجيش، ممتطيا صهوة كرسيك الحديدي القديم، وعوض السيف والدرع الواقي، تحمل أنت مصباحا صغيرا لا يكاد ينير حتى محيطه، ومذياعا قديما، انعدام الإضاءة في الشارع المقابل لك والأرجاء، يشجع عينيك على الكسل، أما مصباحك المسكين فلا يمكنك من اليقظة اللازمة.
تحاول صديقتك-القطة التي أسميتها «ليزا» نسبة إلى لوحة السيدة ليزا، المعروفة بتوجيه نظرها إلى الرائي أينما تحرك- أن تؤنسك بموائها وعيناها البراقتان كمصباحين قويين، لا ترى منها في غالب الأحيان شيئا سواهما، لكنك تبتعد عنها كلما استطعت من دون أن تتكلم معها أو تطردها، اعتقادا منك باقترانها بلعنة أو سحر؛ سيما أن لونها الأسود يزيد من عتمة المكان ورهبته.
تحسد من يضع رأسه على الوسادة فيغرق، دون تفكير أو أرق، تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلكل واحد حظه ونصيبه من الدنيا، أنت لم تدرس كالأستاذ عبد الحكيم، الساكن في الطابق الرابع، أو كالصحفي أيمن، النائم في شقته بالطابق الثالث، أو المحامية سلوى، الواصلة إلى السماء السابعة في تلك اللحظات..
تمر سيارة رجال الشرطة المداومين، الضابط الجالس في الكرسي الأمامي جانب السائق يسألك سؤاله الشهير، بعدما يشهر مصباح جواله الذكي في وجهك:
-أمورك طيبة حسن؟!
-الحمد لله سيدي خمسة على خمسة
بعدهم مباشرة تظهر أمامك الفتاة الليلية الجميلة، كأنها كانت تترقب مرورهم، لا تعرف عنها شيئا، لكن من خلال مظهرها واعتنائها بأنوثتها؛ وخروجها في ذلك الوقت المتأخر، موقدة وهجا كالمشعل، المشعل في ولاعة، الولاعة كأنها بركان بين يديها يضرِم فيك غرائزك كل ليلة، ترجح فرضية عملها في (الحرام).
تُلقي عليك تحية لطيفة تربك خلوتك، رائحتها تتحد مع نفسك الأمارة بالسوء وتدفعانك لكي تتبعها في طريقها المظلمة، وتتركَ العمارة والمذياع والمصباح وكل شيء..
تنساق خلف تبخترها بحذر، خطوة واحدة يتيمة، ثم خطوتين، كمن يعبر حقل ألغاز، لكن أزهار الأوركيد المتدلية من إحدى الفروع النباثية التائهة جنب الرصيف المجاور، تُصدر أصواتها المتجانسة كأنها سمفونية، سمفونية مزعجة تُشبه صوت قرع الطبول، تجعلك تنسى الحسناء وتُرجعك لاهثا نحو العمارة لكي لا يستفيق سكانها.
تساومك زهور الأوركيد الصامتة كل ليلة بلقمة عيشك، تردعك كلما استدرجتك نزواتك، تصرخ في وجهك بصوت واحد: - أتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
تلتزم كرسيك من جديد، ترفع من صوت ذبذبات المذياع قليلا فقط، لكي لا تتسبب في إزعاج النوام، تنتهي أغنية كلاسيكية ويبدأ موجز الأخبار، ولكل خبر تعليقه عندك، تتقمص حينها دور المحلل لا لشيء سوى لمجابهة جبروت النوم
الخبر الأول:
ارتفع ثمن الإسقمري بخمسة دراهم ما أثار غضب المستهلكين
فتجيب أنت:
_كذاب، عن أي مستهلكين تتحدث؟ من يشتري الإسقمري أصلا؟
الخبر الثاني:
تخوف دولي من مخاطر تلوث المناخ وثقب الأوزون حديث الساعة من جديد
فترد أنت:
_ يؤرقهم ثقب الأوزون ولا تؤرقهم ثقوب أجساد الأطفال الأبرياء برصاص الغدر والظلم والاستبداد؟
الخبر الثالث:
مُقترَح قانون حول ضرورة تسوية الوضعية القانونية والمادية للحراس الليليين
تسكت برهة وتتابع:
_ الآن فقط تذكروا ثقب الأوزون، أين كانوا من قبل؟
ينتهي الموجز، ولا تنتهي الليلة، ترفع معصمك نحو وجهك لتفقد الوقت فتجدها الرابعة، تفصلك ساعتان عن نهاية الحراسة والارتماء في أحضان الفراش، لكنك تقرر في دخيلة نفسك تناول وجبة الفطور رفقة سُعاد قبل النوم هذه المرة.
تحاول اختلاس النظر ناحية «ليزا»، لكنها غابت فجأة ودون سابق إشعار، ودون أن تعرف في أي اتجاه انجلت، تجدد الاستعاذة ثم تنهض من كرسيك واضعا يديك خلف ظهرك..منتظرا بزوغ مصباح جديد.

تصويت

127

رقم:36493