!يا إلهي لا ألعاب هنا ولا هناك

لقد كانت لديّ حياة عاديّة قبل كلّ هذا، ربّما قبل أن تبدأ ذاكرتي الدّائمة في التّشكّل ولكنّني واثقة من ذلك، والداي أخبراني أنّني كنت أملك غرفتي الخاصّة وسريري وألعابًا حقيقيّة غير هاته الأشياء التي أجمعها من الأزقة اليوم، أكاد ألمح لها صورًا ما في ذاكرتي وما تبقى أكمله من مخيلتي فأصنع لها وجوها وأعطيها أسماءً. أجل نحن ننتقل من حيّ لآخر، نلتقي أناسًا جددا كلّ يوم منهم اللّطفاء من يهدوننا نقودًا، طعامًا، ثيابًا وأحيانا ألعابًا كتلك التي تركناها في منزلنا القديم، والبعض لئيمين لكنّني لا أحبّذ الكلام معهم أو عنهم. أفضل ساعات يومي هي حينما يخرج أقراني من مدارسهم بمآزرهم الورديّة والزّرقاء يتمسّكون بأيادي آبائهم الذين يحملون عنهم حقائبهم ويسألونهم عمّ تعلّموا اليوم، أغبطهم في كثير من الأوقات لكنّني أنظر إلى الأمر من زاويته المشرقة: على الأقلّ لا واجبات منزليّة لديّ. الصعوبة الحقيقيّة في حياتنا تبدأ عندما تحلّ العتمة ورغم أنها تخفينا تماما ولا تسمح سوى لبياض أسنانِنَا وعيوننا بالسطوع إلّا أنّ الأشباح المخيفة التي تتجاهلنا نهارًا وتتسلّل بأياديها إلى ملابسنا ليْلا تجد دومًا طريقها إلينا. أنا لا أمانع طريقة عيشنا لكنّني أحيانا أتساءل ماذا كان غرض الرّب عندما أوجدنا وحين جعلنا نأتي إلى هذا البلد؟ ما كان خطب منزلنا القديم لنغادره؟ لما لا نمكث في مكانٍ واحد؟ لما لا نقف كالنّاس من حولنا ونكتفي بالجلوس على الأرصفة وفي الزوايا؟ لماذا هم دومًا فوق ونحن تحت؟ مؤخرا صار والديّ يخفيان أسرارًا عنّا أسمعهما يتهامسان ونحن نيام وأسترق السمع عمدا لأفهم، ولكنني لا أفهم شيئا، ما معنى "يرحّلوننا إلى الوطن"؟ هل هذا شيء سيء؟! أمّي تصدر أنّات مكتومة بعد هاته الكلمة بالذّات، أليس الوطن حيث غرفتي؟ إذا ترحيل تعني طريق العودة فلنعد، اشتقتُ لألعابي. لا يمكن أن تكون كلمة الوطن ما تبكيها، أبي يغنّي عن الوطن دوما لا يفعل ذلك مبتسما لكنّه لا يبتسم على أيّ حال فلا بدّ أنّ لبكائها سبب آخر. الناس هنا قد يكونون طيّبين جدّا في بعض الأحيان لكنهم يحبون وصفنا بالأفارقة، يقولونها بلغة مكسّرة لا هي لغتهم المعتادة ولا لغتنا لكنني استوعبتها لوحدي، أمّي أيضا تناديهم بالأفارقة هل هذا يعني أنّنا إخوة وإفريقيا هاته أمنا جميعًا؟ وإن كانتْ كذلك فلما يرغبون في طردنا؟ نحن ما كنّا لنطردهم لو جاءونا ضيوفا أبدا، جدتي كانت تقول أنّ الضيف حبيب الرّب. سمعتُ في آخر ليالينا هنا من أحاديث والديّ الليليّة أنّ "الزّنوج" يؤذون الأفارقة وأنهم ليسوا منّا ونحن لا نشبههم في الطبع كما نشبههم في الشّكل. كلمة جديدة حيرتني، من هؤلاء المخلوقات الغريبة والشريرة يا ترى؟ سألت أختي في إحدى المرّات فلطمتني وقالت: نحن لا نقول هكذا عن أبناء جلدتنا. اليوم نحن راحلون، لم يتسنى لي أخذُ كلّ ألعابي التي جمعتها هنا أيضا، "يا إلهي لا ألعاب هنا ولا هناك !" لكن على الأقلّ سأحظى بركوب الحافلة لأوّل مرة، لأوّل مرّة سأركبها جالسة لا متسوّلة. وأيّا كان شكل هذا الوطن الذي يهابه الجميع لا يمكن أن يكون أسوء من مذاق ورائحة الأكل الذي تجبرنا أمّي على تناوله. قررت أن أغني طوال الطريق، أنا الوحيدة التي تبدو سعيدة من بين كلّ الركاب، ينهرونني عن الغناء مرارًا بصوت مرتفع لكنني أشعر برغبة في ترديد هذه الكلمات التي أجد نفسي أعرفها كما أعرف اِسمي دون أن أتذكّر متى تعلّمتها ومن علمني إياها، قررتُ أنْ أرددها ولو بيني وبين نفسي: (النّشيد الوطني للنيجر) "علينا أن نزهوا بالفخر والامتنان بحريتنا الجديــــــــدة، علينا أن نتجنب المشاحنات عبثًا لنوفر على أنفسنا سفك الدماء، وللأصوات الخالدة من جنسنا أن تكون حرّة للأبد، دعونا نعلو في قفزة واحدة ...". هووب ! وأقفز أنا من المقعَد مهلّلة ويداي في السماء لأتلقى اللطمة الألف اليوم، لا يهمّ. لا أزال سعيدة، كلّ شيء يهون في سبيل ألعابي والوطن.

تصويت

855

رقم:36533