السبيل الى الخطيئة

... القوة لتغيير ما استطيع تغييره ...
وقبل لحظات من ملامسة خط العدم فكرت مرغما في كل شيء , و كان البحر الرومي يسحبني إليه في عجل و كأنه خائف أن تضيع حصته مني و لبثت مدة بين البحر و السماء_ متمسكا بكمنجتي الكبيرة_ فيتعجل الأول في أخد جثتي بينما تتفتح أبواب السماء لاحتضان المكون المقدس من كياني , تسحب الجزء الروحي من سببية الوجود التي منحت لي قبل مدة , و ما كان بيدي خلال تلك التساقطات إلى الأعماق سوى التفكير , و بينما أنا اغرق في الأفكار من دون رغبة في الخلاص , كنت أرى فصول حياتي تروى أمامي و انجذبت _ من كل تلك الصفحات_ إلى صفحة واحدة غيرت سبيل حياتي إلى سبيل الخطيئة ...
سمعت في إحدى المرات أن السعادة هي اختيار و على عكس ما اعتقدت سابقا , كنت أتصور دوما أنها نهاية طريق ما , طريق يجهله الكثير من البشر , و انه يجب أن أجد وجهتي عبر كل طرق الوجود ,ثم وبعد مدة , مدة طويلة بالنسبة إلى قصة يمكن روايتها لشخص , اكتشفت أن السعادة اختيار و لكي تكون سعيدا يجب أن تختار أن تكون كذلك و الأهم انك يجب أن تكون حاضرا , على الأقل على قيد الحياة _ ليس كحالي _ موجودا في مكان ما , تلك هي السعادة , الوجود يكفي , و أنا وجدت قبل ثلاثة عقود من الزمن و الأهم أنني كنت موجودا حينما اخترت مصيري , كنت موجودا أول لحظة قررت فيها _ أثناء مراقبتي لتلك الحقائب _ متجاهلا كل تلك السعادة المهملة خلال ثلاثين سنة , بسبب بصيرتي الدنيوية التي يشاركني فيها العديد , ممن سيستهلكون الكثير من الزمن لتقدير الوجود الذي منح لهم , و كان الرابع من يوليو هو ذلك اليوم المناسب للاختيار ...
يومها كنت أقوم بترتيب الحقائب من اجل الابتعاد, الهرب من هذا السجن الذي يحتجز الأفكار لا المفكرين , الفرار من هذه الحياة التي تحطم كل راغب بقدر ما تبني من حواجز في وجه الحالم ,علمت حقيقا أنني استنفذت كل أمالي و أنني قدت إلى روتين الآخرين و أن تلك هي أول القصة و أنها كل شيء , بيد أنها لم تعني شيئا يومها ...
ربما هذا ما فكرت به بينما كانت رئتاي تمتلئ بمياه البحر ,ثم أنني فكرت في التمازج السحري للبحر الرومي كيف لجزء منه أن يوجد لي الموت و يوجد ما تبقى منه الحياة لما تبقى من كل الأرواح على اختلافها , و في تلك الحالة من الهيجان و اليأس و التخبط في الندم الذي يتملك كياني , كان الفضول حول هذا العالم الغريب الذي هو بانتظاري يمدني ببصيص من الأمل يدفعني لتجاهل ذلك الندم و يحفزني إلى المضي قدما متحديا كل مجهول, و رغم كل تلك الصراعات التي تبنيتها بداخلي , تراءت لي غرفتي المتواضعة و أنا أجول ببصري متأملا جدرانها التي تعكس وضعي الصعب و تظهر انتماءات عائلتي البسيطة و التي اختصرت في ارتباط قدسي إلى عالم الكادحين ,الذين يستيقظون يوما آخر لتوفير لقمة العيش لأفراد العائلة الآخرين الأقل قدرة , تذكرت والدتي , خياطة العائلة و هي تخيط ما يستر الآخرين و تصنع ما يفتخر به بقية البشر و بنفس اهتمام البقية بما تصنعه والدتي اهتممت فقط برد كل تلك السعادة التي تخيطها لنا و ما يلبث أن يتقطع خيط حتى تقطع أناملها الدامية لحياكة سعادة أخرى حارصة على أن تدوم ليوم أطول , و هي تشارك والدي الغريب في بناء سقف بسيط لنا كان الأولاد يرونه سماء الأمان , و غرابة والدي لم تكن فيما يفعله بل كانت فيما لا يفعله , تاءه بين ما يصنع و بين نتائج ما صنع سابقا , رجل تخلى عن القمار مع أترابه و اختار المخاطرة على طاولة الحياة , لاعب واحد مقابل من كان اللاعب و القانون في نفس الوقت , لم تكن غرفتهما شبيهة بهذه , فغرفتي مظلمة جزئيا و تتخللها أشعة ضوئية تتسلل عبر ستار النافذة , تظهر تلك الأشعة كثافة الغبار المتحرك , تستقر في إحدى جوانبها خزانة مهترئة أفنيت جل حياتي في ملئها بالكتب القديمة بينما انشغلت عن ملئ نفس الغرفة ببعض من الحنان رغم كل جهود ابنتي و والدتها في الضفر ببعض من إنسانيتي , و رغم تحركهم مرارا حولي كنت أشبه بدمية تستجيب لطلباتهم مقابلة وخزه في الكتف أو صراخ يكسر جليد سكينتي , يعيدني إلى واقع كوني زوجا و أبا سيئا , اجلس ساكنا أرى خطواتهم المتسارعة و كأنهم أطياف بائدة و بصورة خفية كنت أراقب من دون وعي تلك الخطوات و أنا أحدق إلى انعكاس وجودي , و كان النور الذي يعتلي الغرفة هو الوحيد الذي يكشف عن ذلك الوجود و كأنه يخبرني أن صورتي تلك على الأرضية هي انعكاس لنفسيتي و الأهم أنها ستلازمني إلى الأبد مثلما ستلازمني قراراتي إلى أن أصادف نتائجها المشئومة...
... الشجاعة لتقبل الأمور التي لا استطيع تغييرها ...
نظرت إلى الحقيبة التي تحمل كمنجتي الكبيرة _ التشيلو الخاص بي _ وانخفضت لأفتحها ثم تحسست تلك الكتابة المحفورة على سطحها و مررت أصابعي أتحسسها و كأنني لا أبصرها و أثارت في تلك الكتابة ( لا تتوقف ,التوقف هو الموت , و الموت هو التوقف ) رغبة في استرجاع آخر يوم لي في عالم الفنانين أو بالأحرى عالم الأحرار , حين أمسكتني متحررة أخرى و هي تصر على أن لا أتوقف عن الحلم , أن لا أموت , تختصر كل تلك الأيام الربيعية حينما كنا نجتمع على إحدى التلال ننشد لحن الشباب و نشع نورا يتشاركه الآخرون ممن يرغبون في التحرر بفن من الفنون, فيشعون بدورهم ملبين نداء الحب و ينصهر الجميع في إحساس واحد , نستشعر الحياة بألوانها و الوجود بصوره و نتذكر الموت على انه مجرد توقف و أن التوقف عن الفن هو الموت الحقيقي ...
و بمجرد انتهائي من فتح حقيبة التشيلو حتى ترسبت في عقلي ذكريات الطفولة , المحفوظة في كل خدش من الخدوش التي أذهبت لون التشيلو الحقيقي , تذكرت أول خطوات خطوتها إلى معلمة الموسيقى, كان والدي يومها حالما لم يكن غريبا , كان يعتقد أنه يدفعني إلى شيء ما يبعدني عن قاع المجتمع , و استرجعت صورة معلمتي و هي تنشدني دروس الموسيقى و طيلة السنوات العشرين الأولى رافقتني المعلمة في درب التحرر لكن و ككل الموجودات كان قدر المعلمة الابتعاد , سرقها مني رجل آخر اختارت هي أن تفني ما تبقى من حياتها بالقرب منه و كل ما تركته لي هي هذه الكمنجة الكبيرة , وعدتها أنها ستسترجعها لما أصبح موسيقارا كبيرا _على ما يبدو هي لن تفعل _ و بذهاب معلمتي ذهبت أحلام والدي ورأى أن الموسيقى لم تعد تنفعني فجهد في منعي منها يدفعني إلى الدراسة و هو يلح على أن أهم شيء في الحياة و الذي هو سر وجودها يكمن في تأسيس أسرة و الحرص على تأمين استمراريتها , كان يكرر دوما انه لا يهم أن يكون المرء حالما بقدر ما يجب أن يكون رجلا , و بداخل عقل والدي يستقر صرح رخامي يحمل لافتة ضخمة تشير أنه على الرجل أن لا يكون موسيقارا , و بمرور الأيام كان والدي _ و ما تبقى من الظروف_ يقتل الحالم بداخلي و مع كل شروق كانت أناملي تفقد ارتباطها السحري بالكمنجة حتى صارت تتألم بمجرد تفكيري بلمسها إلى أن قررت أن توقف , وعن قناعة تامة تخليت عن لغتي الأخرى و نسيت الفنان الذي قتله الزمن...
...الحكمة للتفريق بينهما ...
و بعد ربع قرن من الوجود قررت السلطة المطلقة أن تمنحني فرصة أخرى و التقيت محررتي على تلة جمعت كل المتحررين , كانت قد رأت أنني شخص سبق له أن توفي , وعلى عكس الظروف التي أتيحت لي كانت تحسدني فقط على الفرصة , كانت تخشى أن لا يتاح لها ما أتيح لي و أنها لن تلتقي بعدي بمتحرر يوقظها مثلما فعلت هي , و حل الربيع مجددا بداخلي , شاركتها خلاله سعادتي و كآبتي , لم تكن تدري أن سعادتي لم تكن في ما سيحدث بل فيما يحدث و كلما أخبرتها أنني أخشى أن تفرقنا نفس القوة التي جمعتنا , كانت تنزع وشاحها الأسود , تربطه بصخرة ما و تدفعني لنتوجه إلى أعلى التلة , ثم يجلس كلانا وبعد أن تنسيني سبب وجودنا , تشير إلى الأسفل و تقول هل ترى وشاحي الأسود , ما كان بمقدوري رؤيته وهو يختفي وسط الألوان الناتجة عن تمازج المتحررين بالطبيعة ,تعلمني أن العالم أكبر من أن يظهر كآبة المرء و إن عظمت , كانت تفهمني الأمور ببساطة تامة , إلا أنها لم تفهمني سبب مغادرتها فجأة و من دون سابق إنذار تخلت عني و اختفت في عالمها المثالي مبتعدة عن كآبتي و سعادتي ...
تذكرت الرابع من يوليو , وقبل ساعات من منتصف الليل حملت كمنجتي الكبيرة تاركا ما تبقى من الحقائب و خرجت متوجها إلى إحدى الشواطئ و أنا أردد بصدري الذي يعكس صدى صوتي الداخلي فيجري مجرى الروح بجسدي ( يا اله السماء و الأرض امنحني القوة لتغيير الأمور التي أستطيع تغييرها و امنحني الشجاعة لتقبل الأمور التي لا أستطيع تغييرها و امنحني الحكمة للتفريق بينهما و اجعلني الرجل الذي لا يسلك سبيل الخطيئة ) , كنت أبلغ يومها ثلاثون سنة , بابنة و زوجة كئيبة ,أجلس منتظرا في شاطئ فارغ إلا من مجموعة من اليائسين اجتمعوا لمغادرة المكان , و قبيل ساعات من انطلاق الاحتفالات بيوم الاستقلال, شرع زورقنا نحو الاستقلال عن هذه الأرض , كنت الوحيد بين الركاب الذي حمل معه كمنجة ضخمة , ودفع المبلغ مضاعفا مقابلها , كنت أعلم أن الزورق لن يحتمل كل هذا الوزن وأننا سنغرق بمجرد بلوغنا العمق المناسب , و ما دفعني على الاستمرار بالتشبث بالأمل هو ما دفع كل الحراقة السبعة العشر على التشبث به ,فكرة أن خارج الزورق يحيط بنا الموت و هو يتربص بنا من كل جانب منتظرا الفرصة الوحيدة لقلب الزورق أو إغراقه بأكمله , ثم شعر الجميع أنه يجب أن نتخلى عن مقتنياتنا و بما فيها كمنجتي الضخمة , لكنني اخترت أن لا أفعل , لن تغادر كمنجتي من دوني إلى البحر ...



تصويت

821

رقم:36534