نجمة سوداء


وأخيرا...
وإن كان لوقت محدود، استطعتُ المبيت في الغابة العَبِقَةِ ببسالة لوحدي دون جدار أوسقف يمنعني من مراقبة ضوء النجوم المندثر عاليا بعشوائية آسرة؛ وكأن عقدا قد انقطع خيطه فانتشرت لآلِئه نقاطا بيضاء لامعة على ثوب السماء الحريري الأسود، وكسرت غموضها فأصبح صفاؤها أقرب إلى بصيرة القلب رغم بُعد موقعها عن العين.
ياإلاهي! كم هو رائع الإحساس بالتربة وهي تُطلق الدفئ الذي جمعته خلال النهار فيعبر قميصي ويلامس ظهري.
لستُ وحدي، بل ترافقني كائنات حية وميتة، وإحدى هذه الأخيرة؛ الحجرة الصغيرة الحادة التي تمنع كتفي من ملامسة التربة.
صحيح أن وسادة فراشي أنعم من هذه الصخرة التّي أتوسّدها، لكن صلابتها لا تؤلم كثيرا، ليس لدرجة لا أستطيع تحمّلها.
ما أروع النسيم البارد وهو يعبر مسامي ماشيا وأحيانا جاريا، ويخدشها بقسوته دون حياء، فيقوم بدني بالاقشعرار مُستجيبا.
كالحمقاء أضحكُ فجأة لوحدي، لأن أوراق الأشجار اليابسة والمتساقطة على الأرض تلذغ ذراعيَّ العاريتين بينما تلعبُ أصابعي بأخرى.
شهيق وزفير. يالله! أيختلف هذا الهواء عن الذي نستنشقه عادة؟ هل الهواء أنواع؟ يعمُّ بعضها البيوت والمدن وآخر يسرح في الغابات والبحار؟
أحسّ بجدع إحدى الأشجار الضّخمة المحيطة بي يلامس قدم رجلي الحافية، رفعت قدمي ووضعتها فوقه، وبالرغم من خشونته أحسست براحة غامرة.
ضحكتُ ثانية، عبر شيء ما تنورتي القصيرة وبدأ يدُبّ فوق ركبتيَّ، قمتُ شبه جالسة أدقق النظر لأعرف السبب؛ فشلتُ في رؤيته، لكنّني نجحتُ في تخمينه.
إنّه النّمل، يُصِّر على مرافقتي في هذه المغامرة السّرية الأولى من نوعها في تاريخ حياتي الروتينية، تركته يسعى ليُغذي فضوله، كما أحببت لذغات أرجله الضئيلة.
ومثلما اعتدت استبصار جسمي ـــــ الذي أصابني الهوس بشكله، لدرجة أني تمنّيتُ الموت أحيانا واستسلمتُ للواقع أحيانا أخرى ـــــ عدتُ أستبصر الكائنات وأنا إحداها.

لطالما أحسستُ بأن السماء ثوب ترتديه أنثى رشيقة وخفيّة أنيقة، اختارته لألوانه المتغيرة من ساعة لأخرى خلال النهار. في تلك اللّيلة الحالكة عكس ضوء القمر نضارة وجهها ولمحت على شفتيها بريقا ساحرا لنيزك مر سريعا ليخلف ــــ كـأحمر شفاه ـــــ ابتسامة لامعة وهادئة. كانت بشرتها دهماء داكنة، ولم تكن الحسناء السّوداء جامدة بل تسمو وتُدير رأسها ببطئ للجهة الأخرى، وكأنها تحتفظ بسرّ ما لنفسها، حيث ينتظرها أشخاص آخرون لتُهنّئهم بسعادتهم الغامرة على تحقيق حلمهم.
قُلتُ لها "جميلة أنت بحريتك!"
"وأنت أجمل بقوّتك،" ردّت دون تردد.
"خذيني إليك!" رفعتُ يدي نحوها.
دَعَتني آمرة "انضمي، وحَلِّقي شامخة معي."
"كيف؟" سألتُها.
وبكل ثقة أردفَت "ارقصي وكالنجمة اسطعي حيث أنتِ وكما أنتِ."
أعشق اللّون الأسود، لأنه الوحيد الذي يحمل بين ثناياه أسرارا تزيدك فضولا ورغبة في المعرفة والتّعلُّم، وأحيانا الانعزال والخلوة، غالبا ما يربطه العامّة بالكرب والألم، ويكون أوّل ما نلجأ إليه؛ أوّلا، حين نرتديه ليُخفي عيوبنا، وثانيّا، عندما نُنزل جفوننا لنحجب البياض ومشتقّاته ونكدّس الحبر بحثا عن السّلام أو الحلّ أو الاستمتاع أو الفرار... فهو دافئ ويحمل حضنا يُؤنس من يحتاجه ويضمه.
"مع السلامة،" ودّعتها.
"إلى اللقاء،" وتردد صوتها في الأرجاء، ذكرني بوجود جبال بعيدة "إلى اللقاء... إلى اللقاء."
استدارت ولم يبق على مرآى من عينيّ إلاَ عنقها الذي لم يسلم من نقشات النجوم الوامضة، وبرز شعرها بخصلاته المُتوهجة الآخذة في التفتّح، والطّويلة جدّا، لتنتهي أطرافها إلى مَشرق الشّمس، والتي بدأت أشعّتها في النهوض محلّقة ليركبها الطيور بأجنحتها...
ارتعشتُ فجأة. أبسبب سخم المرأة الأخّاذ أم ريحها العليل؟ اهتزّت الأشجار واضطربت مثل فصل الشتاء قد حلّ.
لم أحزن على رحيلها ــــ فكلّ اللّحظات السّاحرة تنتهي لتأتي أخرى ــــ ولم الحزن، لأني أعلم أنني أيضا سأغادر هذا المكان قريبا؟ وقد أكون يوما ما مثلها حرّة طليقة. المهمّ هو أن أستمتع قدر الإمكان بما أعيشه ولو بأبسط الأشياء... كالاستمرار في الحلم ورؤيته، وليس بالضّرورة تحقيقه.
لطالما تسائلتُ عن هوس الجميع بتحقيق حلمهم وتجاهل أهمّية الاستمرار في الحلم وإن كان مستحيلا... وهو ما يسمّى بالأمل؛ طريقة أخرى للعيش خصوصا لمن هم مثلي، سجناء قدرهم.
منظر طبيعي في قمّة الروعة ببساطته، وأحسن بكثير من ذلك المُزور الذي كبرت أتخيله عند تحديقي في ثُريّا بيتي الزّجاجية والمُزيّنة بالنجوم البنفسجية الاصطناعية، والتي لا تحيى إلا بعد الضّغط على مفتاح الضّوء الذي بدوره يشتغل عند وجود الكهرباء فقط. والأهمّ، أن ما أراه الآن حيّ يُرزق، وفوق كل هذا مجّاني ومفتوح للكلّ دون مقابل.
لطالما سمعتُ أبي يقول أن المال هو سرُّ السّعادة لأنه يشتري الأشياء التي تُعطي أحاسيس ممتعة، لكنني الآن في قمّة السّرور، وأعيش هذه اللّحظة البهيّة دون أن أدفع درهما واحدا... ربّما يقصد أبي شيئا آخر، فهو تاجر ومن الطّبيعي أن تكون عقليّته ربحيّة مبنيّة على الأخذ والعطاء.
أحسنتُ فعلا!! تحرّرتُ بعسر بالغ من الأحزمة التي تُقيّدني أمّي بها كي لا أتحرّك من مكاني كالمجنونة، أو مريضة بالإفراط في الحركة والنّشاط. نعم، ربّما ــــ سرّا بيني وبين نفسي ــــ لدي هواجس صغيرة، كالرغبة الشديدة ــ مثلا ــ في النطِّ على الكنبة ليطير شعري في السّماء، لكن حتّى إذا لم تربطني بالشّريط الذي تلفُّه بإحكام حول رجليّ، والآخر الذي تحكم قبضته حول بطني كلّ صباح، ما كنتُ لأخرج عن المعتاد، وأحاول المقاومة، أو القيام بحركة ما مهما كانت بسيطة. ليس لأنني أعرف النتيجة الفاشلة بل سأخاف أن أُغضبها وأحزنها.
تركتُها نائمة وخرجتُ حافية القدمين لوحدي أخطو على أطراف أصابعي متوجهة إلى هنا، تطلّب مني الأمر حوالي نصف ساعة. كانت تبدو هذه الغابة المجاورة لبيتنا- والتي أبصرتها عن طريق زجاج سيارة أمي- بعيدة جدّا جدّا.
فالقدوم إلى هنا، وكباقي الأماكن، أمر ممنوع عليَّ أنا وأخي كمال الذي يكبرني بسنة، إلا أننِّي أعلم جيّدا أنه يأتي إليها مع أصدقائه أحيانا للّعب أو الجلوس، ويُخفي الأمر عنّي أنا، وتدّعي أمّي أنّها لا تعرف ولا تسمح بذلك.
"إنها خطيرة جدا،" علّق بصوته السميك.
سألته كالذي لا يعلم "حقا؟"
"نعم، نعم،" أضاف وهو ينظر إليَ "وموحشة جدا!" اعتاد أخي على قول غير الحقيقة وهو ينظر إلى عيني، بل حتّى ملامحه تعودت الادعاء وإتقان التمثيل.
"لماذا تزورها أنت إذا؟" سألته بعد أن حوّلتُ ببصري إلى التلفاز الذي رغم جمود إطاره الدائم لا يتوقف كل ما بداخله عن الرجرجة.
أصرّ على الإنكار "أنا؟ لا، لا أذهب إطلاقا،" وكأنه أحس بأنني لا أصدقه "كما أنني رجل... أتظنين أنني سأخاف؟ أحيانا فقط أصدقائي يجبرونني على الذهاب إلى هناك..."
لم تعد ألاعيبهم تنطلي عليّ، يحسبونني رضيعة لا أميز الصراحة من الكذب. أعلم أن الغابة غير خطيرة، ولا أظنُّ أنه يوجد فيها حيوانات مفترسة، ولا يقربها سارق أو مُختطف، لأنّها بجانب المدينة وتحرسها الشّرطة. لم أستطع القدوم إليها من قبل لسبب واحد يعلمه الجميع ولا أحد يستطيع أن يُغيّره.
يُكبّلولنني، لكنّني أعلم أنهم يحبُّونني.
يُقيدونني بالرغم من أنني لا أستطيع التخلي عنهم.
ولهذا، وبعد أن دجَّ اللّيلُ، قرّرتُ الفرار والمغامرة لوحدي إليها. وبالرّغم من أنه كلّما ذكرتُ من قبل أنَّني أتمنّى زيارتها قال كمال أنّ كلاب الحيّ الضّالة تلجأ إليها، مما يجعلها خطرة للغاية، خصوصا في المساء... وقصص مُرعبة أخرى تظاهرت بتصديقها...

لأوّل مرة لم أكثرت.
إذ بعد أن رحلتِ السّمراء وحلَّتِ الشهباء، قمتُ واقفة لأخرج من الغابة وأعود إلى البيت.
هرعتُ قبل أن تستيقظ أمي في منتصف اللّيل وتأتي لتتفقّد إن كنت قد فلحتُ في الفرار أم لا- كما تفعل في منتصف كلّ ليلة- فتعرف بأمر فراري المؤقَّت، وتصاب بالذّعر ثم تغضب وتتشاجر معي على غير عادتها المرهفة.
لمس سائل ساخن رجلي اليُسرى فتوقّفت وانحنيتُ أتفقدها. ظننتُ أنه عسل شجرة ما مررت بقربها فالتصق بي، إلا إنّهُ كان نزيفا من جرح صغير وعميق بعض الشيءِ. تألَّمتُ قليلا بعد أن رأيتُ ولمستُ دمه بأصبعيَّ، لكنّ سرعان ما تشجعتُ على الصّبر، فأحسستُ بلذة غامرة زادت من التّشويق والإثارة من حولي.
وعندما رفعتُ رأسي مستقيمة ومفعمة بالبهجة ــــ لأن مهمّتي السرية على مشارف الانتهاء بنجاح ــــ لم تكتمل فرحتي، بل توقّفت في مكاني مرعوبة.
بدأتُ أرتجف بسبب الجوّ المتقلّب وما ذكرت للتوّ أننّي لم أكثرت له... هل سأنال جزائي لأنني لم أستمع لكلام أمّي وكمال لمرّة واحدة في حياتي منذ أن خُلِقتُ، قبل سبع وعشرين سنة؟!
يا إلهي، ما هذا الذي يقف أمامي متربّصا هل هو وحش؟
سأبكي من الخوف، ولا أريد أن يكون كلّ هذا مجرد حلم ينتهي إلى كابوسٍ أستيقظ منه مهلوعة... لا، فلو كان كابوسا لاستيقظتُ عندما جُرحت وما كنتُ لأشعر بكلّ هذه الأحاسيس الحقيقية بما فيها الألم والجزع. وما يقف أمامي هو ذلك الكلب البنيُّ الضّخم، أعرفه جيّدا، دائما أراه في الحيّ مستلق على الأرض أمام بيت جارتنا التّي لا تضع سياجا حول حديقتها الباهية.
ارتجفت يداي، فقد بدا من سيمائِهِ مكفهّرا على غير عادته الكسولة، واقفا ينظر إليّ بصرامة وكأنه يحدّق في فريسته. لم يتوقف ذيله عن التّموّر بسرعة يمينة و يسرة، علامة أخبرني كمال مُسبقا أنها لا تُبشِّر بخير، بدا أكبر من حجمه المعتاد لوقوفه بين شجرتين ضخمتين زادتا من ظله.
سبق وأن رأيتُ هذا المنظر من قبل، هل في التلفاز الذي أُجبَر على مشاهدته كلّ يوم بذريعة أن لا أصاب بالملل؟ لم أستحضر الجواب، لكن المشهد بأكمله لم يكن جديد عليَّ.
بدأ يخطو نحوي بكلّ ثقة وكأنني حشرة يمكن أن يدوس عليها بسهولة، ولوهلة نسيتُ أن أسوأ خطوة يُمكن أن يقوم بها الإنسان أمام كلب بصدد الهجوم هي الهرب. فكّرتُ في الجري، لكن لحسن الحظّ لم أتزحزح بسبب انشغال عقلي بطرح تساؤلات حول كلّ شيء. استمرّ الكلب في الاقتراب مني رويدا رويدا، بينما أحسستُ بأطراف جسدي تتشنّج لتصبح كما رأيتها سابقا وأحاول عدم السّقوط في غيبوبة أستيقظ منها مكبّلة وسط الجمود الذي فررتُ منه...
قاطعني بتوقفه عندما شارف أنفه على ملامستي، انحنى رأسه يشمُّ الأرض ويتنسَّم قدميَّ ثم نزيفي، نظر إليّ وسقط أرضا وعينيه مفتوحتين، لم يمت، بل أراد شيئا آخر غير الهجوم عليَّ وإدعاء الموت.
انحنيتُ ببطئ مترددة في محاولة لمسه، "مرحبا." وعندما لم يحرّك ساكنا نجحت أناملي في بلوغ جبينه.
أغمض عينيه لوهلة يرحّب بي ويريد المزيد ويدعوني لأمسّد وجهه.
"كم أنت ناعم الملمس!"
رفع إحدى أرجله ووضعها فوق رجلي الحافية.
جلستُ القرفصاء وسألت "ماسمك ياترى؟ أحببت فَروك الممشوط!" ثم قمت بتدليك ذقنه أيضا.
وإذا به يقوم واقفا فجأة ويقترب مني أكثر ويستدير قليلا ثم يعطيني ظهره لأمشّطه براحة يديّ، أراد إخباري بـأنّه يثق بي.
"سأناديكَ فِراء، وذلك لدفئك." أخبرته بحماس.
لم أصدّق ماكان يحصل، أحسستُ بجِنانه وبضعف كبير أمام حَنانه وودتُ فجأة أن أحضنه!
ارتفع صوت خفقان طفيف داخلي، غمرني بقوة خارقة لا تنتهي ولا تصغر إلا أمام هذا الكائن.
مهلا، لقد سمعت عن هذا الإحساس من قبل... إنّه...
يا إلهي، أظنّني وقعت في الحبّ!
حقا؟ أهذا ما يقصدونه بالوقوع في الحبّ؟
ألهذا السّبب يُحبّ أخي الحيوانات كثيرا ولا يكفُّ عن تربيتها داخل البيت وخارجه؟
بالرغم من أنه قد ربّى لسنين كلبا في الحديقة مُنعتُ من اللّعب معه لأسباب واهية... بل درّبه أبي على عدم الاقترابي منّي بذريعة خوفي منه...
نعم، وقعت في حبّ كائن فهمته دون أن يتحدث لغتي وفهمني دون أن أتموّر من مكاني.
ومع بزوغ ضوء النهار تذكرتُ أنه على سندريلا المغادرة قبل شروق الشّمس كليّا وإلاّ تبخّر الحُلم إلى واقع مرير.
عانقته بسرعة وتركته بعد أن وعدته بأنني سأعود إليه، ودَّعت الغابة وأنا مشتاقة إليها، أبلج الصّبح وأنا خارج البيت وبدا منظر حيِّنَا من الخارج مختلفا عن ما عهدته من شباك النافذة... إذ كان خامدا و في نفس الوقت مُشعّا.
هبَّ أريج البحر فالتفتُّ إلى الجهة اليسرى، غيرتُ رأيي وتركتُ البيت خلفي ثانية بانشراح غامر سببه مجهول... أجري ثم أجري في الحيّ وكأنه خال لا يوجد فيه أحد، أقفز من درج لآخر وكأنه لا توجد احتمالية انكسار عظامي في حالة السّقوط. أمشي وسط الشارع بحرية وكأنها لا توجد إمكانية التعثّر والاصطدام بإحدى السّيارات. أهرع إلى الجهة المقابلة وكأن المكان بأسره ملكي الخاص. انطلقت إلى جهة البحر التي أراها دائما من نافذة وشرفة بيتنا، ولسنين طويلة تأمّلتها من بعيد ولم أستطع يوما زيارتها عن قرب وملامسة مياهها...
كيف لآنسة في السّابعة والعشرين من عمرها يمدح الجميع عقلانيتها أن تتصرّف بهذه الصّبيانية واللاّمبالاة؟
لم أكثرت ثانية.
كيف لا، ولم يسبق لي أن لهوتُ داخل بيتنا أو خارجه؟! كيف لا ولم يتمّ إرسالي إلى المدرسة أبدا كي أقفز في ساحتها؟
قبل وصولي إلى البحر، وفي اتجاهي نحو أفقه، أحسستُ بقطرات صغيرة من الماء مرشوشة على جسدي. لم ألمس أمواجه بعد، وتساءلتُ كيف يمكن لقطرات البحر أن تعبر ملابسي وتصل جلدي؟
لا، ليس البحر . إنه ما يُسمونه بالعرق، فأنا أجري بخفة كبيرة تكاد رئتي أن تنتفض عليَّ صارخة منها...
تذكرتُ رُؤية نفس المشهد في التلفاز مرارا وتكرارا، بعد أن رأيتُ لأول مرّة العدّاء هشام الكروج ووقعتُ في حبه وهو يتصبّب عرقا لسرعته ورشاقته. لكن أكان يبتسم بسبب الإحساس الحلو الذي يتبعه عند ملامسة الرياح لبشرته المبللة أم لأنه كان متيقّنا من أمر فوزه بمداليتين ذهبيتن في سنة واحدة؟
إنه إحساس حَسَن، قطرات تجعل من الهواء الساخن باردا وأحيانا منعشا.
وأخيرا فهمت السبب وراء ابتسامة الكروج الساطعة، والتي لا تغيب عن وجهه حتى خلال السباق وهو في أوج عطائه وتعبه... بطلي المفضل منذ أن كنت في الحادية عشر من عمري، يا إلهي، لطالما تمعَّنتُ مشاهدته وتمنيتُ أن أعيش في جسده النحيف الخفيف ولو ليوم واحد.
أحسّ الآن وكأنني أحتوي على قوته وطاقته، أتنفّس بأكبر قدر ممكن... لم يسبق لي أن سمعتُ قلبي يضخ بهذه السرعة، ولا أريد أن أتذكر آخر مرة أحسستُ بالدّم يغلي في جسدي ساخنا بهذه الدرجة لأنها كانت ذكرى سيّئة تمنيتُ أن تبتلعني الأرض فيها إذ لم أستطع الحراك من مكاني. كالعادة، حصل ذلك عندما رأيتُ أبي ثملا وغاضبا على شيء بديهي وبقامته الطوبلة أُسقط قفص العصفور "أزرق" أرضا فحاولت أمّي حمله وتهدئة أبي لكنّها أيضا لم تسلم من بطش هذا الأخير...
أبي ليس بشخض سيء لكنه أحيانا مؤد، فقد ضرب أمي وأخي سابقا أمام ناظري، لكننا نتناسى. ربما لأننا نعلم السبب وراء عصبيته ومزاجه المتقلب والمعقد والكامن أيضا وراء كده وجده ونجاحه في العمل... وربما هو أنا التي لا تتلقى إلا القبل والاحتضان منه.
هواء البحر القريب يُعطي طاقة منعشة!
شهيق عميق وزفير طويل، آه يا إلهي، لقد تعبت. يكاد ينفجر صدري. لكن، وكما تقول جدّتي لأخي المتقاعس، "الحركة نعمة وبركة،" وأنا أضيف أنها حياة وحرية.
توقفتُ على الرّمال وتساءلت: لماذا لم يخبرني كمال عن جمال هذا الإحساس من قبل؟ ولماذا كان دائما يشتكي من سخونتها فيحلف بأنها تجعله يكره المشي عليها بل يرفض بلوغ البحر والسباحة مادمت أراقبه؟
أحببتُ ملمس الرمال بين أصابع رجلي، وكيف تدغدغ حبَّاتها الصغيرة راحة قدمي وتتوغل بين أصابع رجلي، تؤلم أحيانا لكن أستطيع المقاومة والصبر عليها، إحساس دافئ يملئُ الفؤاد حُبورا.
وجّهت رأسي نحو الفضاء، وأطلقتُ يدي في الهواء الطلق كشراعين، وبدأتُ أحركهما كفراشة جناحيها بلوني المُفضل، البنفسجي.
وكأن للشّمس أياد كثيرة خفية تلامسني من كلّ الأرجاء بدت قريبة جدا أكثر من أيِّ وقت مضى، كالسّهام تُغرس في مسامي، وعند توقف حركة الرّياح تمتصّ الأوكسجين من الأرجاء ويكاد يصبح الجوّ خانقا وكأنها لهيب من النّار، يا لهذه الحرارة... ألهذا تمنعني أسرتي من رُؤية الشّمس؟ حارقة لكنها بالرغم من ذلك تجعل كلّ شيء تلمسه مونقا وناصعا.
في الصيف يعود كمال إلى البيت دائما بوجه أحمر غاضب، وعندما أسأله كيف كانت مباراة الكرة التي لعبها. يقول بأنه إذا كسر شخص ما بيضة فوق رأسه ستصبح مقلية من شدة حرارة الشمس وغليانها، وأنه كان على وشك أن يغمى عليه جراء بقائه تحتها مدة طويلة. ثم ينطلق شاكيا عن أصدقائه الذين لا يعرفون قواعد اللعبة وأنه هو الوحيد الذي يفهمها ويحترمها، ثم يتوعد بعدم اللعب مجددا معهم ويندم على ذهابه وتضييع ثلاث ساعات من حياته... أتأمل لون بشرته المُتغير إلى البني ودون أن أخبر أحد أشمئز من لون بشرتي الأبيض الذي لم يتغير منذ أن وُلدت.
يبدو أنني أقوى من أخي وأكثر تحمُّلا منه.
أخي دائما يشتكي لي من كل شيء، لم يسبق له أن وصف لي شيئا جميلا… لقد كذب عليّ كثيرا، لم يعلم أنه يحرمني من تخيل ما كان سيصفه لي ممّا عاشه، وحرمني من الاستمتاع بتلقي الأحاسيس الإيجابية من تفاصيل وجهه بسبب تجنبه خلق الفضول في نفسي.
وأخيرا سقطتُ على الرمال ممدودة، وتدحرجتُ عليها كالطفلة باتجاه البحر، وحبيبات الرمال تحاول التسلل إلى عينيّ. امتلأ شعري بها، ولم أتوقف وكأنني لم أرى البحر ورماله مطلقا في حياتي. اقتربتُ من الزُّرْقة البرّاقة وأصبح الهواء أبرد وأكثر انعاشا.
هواء جديد، يختلف عن ذلك الشامخ في الغابة.
اصطفق البحر مُرحبا بي وتعاظمت أمواجه، فقفزت عاليا مرتمية فوقه، وأدخل وسطها وأنغمس داخل رطوبته، وأتبلل فأصبح أقرب إلى قطراته، وأقوم بتلك الغطسة التي يفعلونها في الأفلام ولقطات الأغاني، فيتطاير شعر الفتاة ببطء وسط الماء ويلمع جلدها، وتبدو وكأنها حبيسة تعلو ببطء شديد داخل سجن الحرية...
لكن...
"هناء!".
سمعتُ صوت أمّي تنادي من بعيد وسَحنتها مقلوبة.
آخ، بُؤسا! لماذا تطلَّب مني الأمر سنين عديدة ومشقة عويصة لأصل إلى هنا ولم يأخذ منها إلا ثانية لتُبعدني عنه بصوتها. إنها قلقة، فهي تعرف أنني لا أعرف السباحة.
"لا تقلقي أمي!"حاولتُ مقاومتها وعدم الاستماع إليها.
"هناء!" تجاهلَتني واستمرّت في منادتي.
فحصل ما كان جزء صغير من عقلي الباطني يتجاهله بقوة منذ البداية.
جمدتُ معلقة في الهواء، حيث انقَفَع جسدي فجأة في وضعية أعرفها وأمقُتُها. أصبحَت رجليَّ ملتصقتين ببعضهما وشبه مطويَّتين وتقلَّصت قدماي، وصارت يداي مُكَتَّفتين نوعا ما، فاعوجّت أصابع يدي ورجلي وتداخلت في بعضها البعض، لم أعد أستطيع التحكم في جسدي...
من المدهش أننّي تصلّبت محلِّقة في السّماء، لكن مؤلمة هي الطّريقة التي يَبستُ فيها.
تبا!
اصمتي يا أمّي أرجوك... اصمتي، دعيني ألامس الأمواج فقط لمرة واحدة في حياتي.
لكنّها تخاف عليَ كثيرا لدرجة أكاد أجزم أنها تفوق كل أمّهات العالم في خوفهنَ على فلذات أكبادهن حتى المريضة منهن بالوسوسة القهرية.
"إنها الظهيرة يا فتاة!"
وبصوتها العذب أضافت كيلوغرامات إلى جسدي فأصبحتُ ثقيلة الوزن فجأة، أسقَطَتني أرضا على الرمال مرضوخة خانعة لصوتها الرؤوف. ودون أيّة حركة منها، استلّتني من المنظر كالشعرة من العجين، وكأن قوة الجاذبية قد تضاعفت بسبب نبرتها الأمومية. أبعدتني عُنوة وبخفّة عن المياه الزرقاء والرّمال الذهبية والشمس الصفراء والأغصان البنية والأشجار الخضراء... فقط برنَّتها الدافئة. سحبتني بقوة من النسيم العليل بلمستها المُرهفة لوجهي، والأسوأ في الأمر كلّه أنها نجحت في جرِّي إلى حيث هي بتقبيلها جبيني وشمّ رائحة بشرتي وكأنني رضيع في أسبوعه السابع. سقطتُ مُعوّقة من السماء إلى فراشي.
"هيا استيقضي!" أصرَّت "فالفطور جاهز."
أنا لا أحلم، لا أريد أن أفتح عيني، ربما مُتُّ وحييتُ في جسم آخر، أريد أن أبقى هنا أمّي أرجوك لا تستمري في مناداتي، توقفي ودعيني أحلم يا أمّي إنه أحسن من واقعي بكثير.
"أمي!!" اختلجت عينيَّ بصعوبة "دعيني خمس دقائق فقط!"
"هيا، أصبحتِ كالدُّبَّة من كثرة النوم، قومي فأمامنا الكثير من العمل اليوم." فتحَت النافذة فانعكست أشعة الشمس في غرفتي البنفسجية.
"آخ، حسنا، حسنا... صباح الخير."
"صباح النور دبدوبتي، تبدين مسرورة. هل رأيتِ حُلما جميلا؟" سألَتني بفضول.
حاولتُ عدم الكذب "ربما..."
سألتني "ماهو؟" أخذت منديلا مبللا ومسحت به لعابي السائل على ذقني والوسادة.
"لا أتذكره..." لكني فشلت.
"المهم يبدو جميلا من ابتسامتك." رفعت الغطاء عني.
غيّرتُ الموضوع "وأخيرا حلّ فصل الربيع يا أمي."
"نعم، عيد ميلاد سعيد أميرتي، وكل عام وابتسامتك مشرقة ومفعمة بالحياة والأمل." حملت جهاز التحكم عن بعد من على الأرض، والذي أسقطته البارحة قبل أن أغرق في نوم عميق.
"شكرا أمَي، وأنت كذلك، كلَ عام وأنت بصحَة قويَة وعافية مستدامة."
ثم أخبرتني أن أبي قد غادر إلى العمل، وأن كمالا قد ذهب إلى المدرسة، وأن جدّتي في طريقها إلى بيتنا قادمة كعادتها لتفطر معنا.
جلست على فراشي، ومشطت شعري، وغسلت وجهي، ومسحت يدي، ثم غيّرت ملابسي، ورتّبت غطائي، وجمعت غرفتي... ثم نزلنا إلى الطابق السفلي حيث يقع المطبخ، كان الفطور جاهزا على مائدة الطعام، فهي تستيقظ باكرا وتعده للفوج الأوَّل الذي يخرج من البيت ثم الفوج الثاني وهو نحن الذين لايخرجون منه.
فطرنا، وبعدها نظفنا المطبخ والبيت وشرعنا في تحضير الغذاء.
آه يا قلبي، آه ياربي...
لكنّ الحقيقة غير هذا وإن كان ماقلتُه صحيحا.
لأنها هي التي جَلَسَت على فراشي، ومشَّطَت شعري، وغَسَلَت وجهي، ومسَّحَت يدي، وغيَّرت ملابسي، ورتَّبَت غطائي، وجمعَت سريري... لم تكن هناك أية "ضمة" في إحدى أفعال الماضي التي- على خلاف سكوني- لم تُبن على السكون، رغم اتصالها بتاء الفاعل التي لا أملكها.
هي من قام بكل هذا بينما لم أحرّك أنا ساكنا.
بل عندما أيقضتني وقبَّلتني لم أستطع أن أقبلها لأنني- وبكل بساطة مُعقدة- لا أستطيع أن أحمل رأسي من على الوسادة إن لم يقم أحد بحمله، ولأنها أسرعت لتُغلق باب غرفتي المجاورة لغرفة كمال لم أستطع حتى أن ألمس يدها وأشكرها. وأسوأ مرحلة في حياتي والتي أعيشها مرتين كل يوم هي تغيير أمّي لحفَّاظتي التي تُذكرني بإعاقتي البدنية وتُشعرني بأسوأ وضعية يمكن لشخص بالغ وراشد أن يعيشها بشكل متكرر ومتكرر... صباحا ومساءً... البارحة واليوم وغدا...
عندما انتهَت من تغيير ملابسي حمَلَتني بمشقة ووضعتني على الكرسيّ المتحرّك، والذي أحركه بصعوبة بأصبعين فقط رغم تقوُّسهما إلا أنّهما الوحيدان اللَّذان أستطيع تحريكهما لأقصر حدود.
يُذكرونني بأنني محظوظة لأن أبي استطاع أن يوفّر لي هذا الكرسي الكهربائي منذ سنة تقريبا، لأنه غالي الثّمن، ويصل سعره إلى ما يمكن به شراء سيارة متوسطة. فقبلها كنت أجلس على كرسي لا يخطو دون أن يدفعه أحد... فأبقى كالميّت في كفنه ينتظر من يحمله ليضعه على فراش الموت المؤقت حتّى يستيقظ ليُعيد الكرة.
قبل خروجي من غرفتي أخذَتِ الحزام لتلفّه حول قدميّ اللتين تنزلقان من على مكانهما وتتدليان على الأرض، وبهذا قد تعرقلان سير العجلات الأماميّة، ثم لفّت الحزام الثاني حول خصري كي لا ينزلق جسدي أرضا فجأة عندما لا تكون بجواري في المطبخ أو الصالة حيث أقبع أنا عادة أشاهد التلفاز بينما تسترق هي بعض الوقت لتصعد إلى طابقي وتقوم بترتيبه.
كيف يمكن لأم أن تخفي ملامحها بمهارة وهي تنحني بقامتها لتشدّ جسد ابنتها الوحيدة والبالغة من العمر أكثر من نصف عمرها وبابتسامة خفيفة تسألها إن كانت القيود مُحكمة جيّدا أم لا؟
مررنا بغرفة كمال فلمحت اللَوحة الفنيّة التي أصبحتُ جزءا منها للحظة وعشتُ فيها مع الكلب المرسوم عليها. لم يسبق لي أن اقتربتُ من صفيحتها أو لمستها، إلا أننّي فلحتُ البارحة في مداعبته واللّعب معه ومصاحبته دون أن يُصيبني الإختناق من رائحته وشعره بسبب ضعف جهازي التّنفسي...
ابتسمتُ واكتفيتُ.
نعم يستطيع نصف وجهي الابتسام.
أتمنى... فقط... أن يكون ليلي حقيقة ونهاري حلما.

هناك من يحلم بالوصول إلى القمر، وهناك من يحلم بالسّفر إلى أحسن الجزر... أما أنا فحلمي لم يعد كبيرا يصل الرّغبة في أن أزيح الشّعرة من بؤبؤي إذا تطفّلت عليها، أو أن أستجيب إلى احتياجات جسدي وأذهب إلى الحمّام برجلي، أو أن أمشي، ولو حبوا، لخطوات قليلة تسمح لي بأن أحضر كأس ماء لأمي عندما يجف حلقها ويباغثها السعال... بل حلمي أن لا أحرم أسرتي من الخروج في نزهة عائلية لغياب ممرّ خاص بذوي الإعاقة أو الاحتياجات الخاصة، وأن لا أحرم أمي من زيارة صديقتها المفضلة لوجود درج أمام بيتها، وأن أدخل المقهى مع صديقتي دون أن أبحث وأنتظر وأُتعب شخصين بحملي أنا وكرسي فوق درجه، وأن يكون هناك مصعد في عمارة ابنة عمّتي كي أستطيع زيارتها، وأن تكون هناك طريق للكُرسي المتحرّك في الحديقة المجاورة كي أستطيع الاقتراب من أزهارها، وأن تُصبح الطّريق من الشارع حيث تضعني السّيارة إلى بوابة بيت جدّتي معدلَة كي أستطيع المرور دون أن تحطّ أمّي اللّوحتين الخشبيتين على الأرض بالتوالي كي أعبر فوقهما وأطفال الحي يُطلون من شرفات منازلهم ونوافذ بيوتهم ليتفرجوا علي...
ربما عند يحقق هذا قد يصبح حلمي أن يكون هناك ممرّ لكرسيّ يصل أمواج البحر الصغيرة أو رماله على الأقل...
انتهى يومي كغيره، وعدتُ أنا وأمّي إلى غرفتي. وبعد أن وثبتني على سريري، قعدتُ أحدّق في تلك الثرّيا التي صرتُ أمقتها لأن نجومها لا تنير دون مساعدة من أحد.
"تصبحين على خير ماما."
"وأنت من أهل الخير ابنتي."
ترسل لي قبلة في الهواء وتترك باب غرفتي مواربا. نتظاهر بأننا لن نلتقي حتى الصباح، لكن كلتينا تعلم أن ميعادنا في منتصف الليل، عندما تأتي لتجر الغطاء المفروش تحتي بشكل أفقي فينقلب جسدي إلى الجهة الأخرى وأكمل نومي.

لا أعلم إن كنتُ أنا من ضغط على بطن أمي ليُخرجني قبل بلوغ الأوان فانزلقتُ بعد ستة أشهر ليعوجّ جسدي ثائرا إلى دنيا مُسطحة ومُعرّضة نفسي للخطر وإياها لعذاب قلَبَ مسار حياتها وحُلمها رأسا على عقب...
أم أنَّ رحم أمّي الذي رفض احتضاني حتى يكتمل نموي فطردني إلى العالم الخارجي حيثُ أصبحَت صاحبَتَه عالقة في روتين الاعتناء بي وأنا أكتفي بمراقبة أمارات وجهها وهي آخذة في التّكاثر والشَّيب يزحف فوق رأسها...
أم أن الخالق قدّر وما شاء فعل.
لكن، ما ذنب الفاعل والمفعول به والضمة؟


نمتُ وترجّيتُ العودة من حيث أتيتُ
من الأحسن إلى بطن أمي أو إلى العدم
أو ما أعيشه كل ليلة من نفس الحلم
لسنين وأنا أعيده فارة من الهمّ والغمّ
ولم لا أعود غدا إلى كوكب مليء بالتفهم
وبنية تحتية سهلة لا تحتاج إلى الترميم

تصويت

46

رقم:36535