ارتياب


أَدْخَلْتُهُ المقهى قسرًا، خَفَّفْتُ عنه عبء التردد، والتفكير في الجدوى من زيارة المقهى، وعبء التفكير في سلطة المقهى على النفوس. كالعادة اخترت مقهى مغايرا، وطلبنا من النادل مشروبا مغايرا.. حاولت استدراجه كعادتي للنسيان، والدخول في حديث غير مراقب، لكنني لم أفلح هذه المرة. تغيرت ملامحه كثيرا، أخفى رأسه في قبعته الصوفية، شحب وجهه، دارت حول عينيه هالة سوداء، تشققت شفتاه، أبان حاله عن عطش شديد، اعتقدتُ أن الحانة ستبدده.
أتذكره –أحيانا– حين كان ينسجم في حديثه معي انسجاما، يدلي برأيه، يؤكد، ينفي، يساند، يشجب، يختلف، يتناقض، يتراجع عن السابق من قوله، ويعتذر عن اللاحق منه.. أتذكره يتلوى في مكانه،حين تعصف به حزمة أفكار تشوش ذهنه، كأنما أصابه وجع شديد في الرأس، ووجع في المعدة، كمن تلعب دودة في جسمه كاملا، فيلاحقها بكفيه، يدعك، يضغط، يضرب، فأدرك أنه وقت مغادرة المقهى. نغادر، وقد اختفينا في معاطفنا، ولا يكلم أحدنا الآخر، نعرج على الحانة فنشرب ملء البطن وملء (ما يستحمل) العقل. فنغادر، وبعيدا عن باب الحانة بأمتار، نفترق كأننا لن نلتقي أبدا.. فنلتقي، نرتاد المقهى، نحتسي، نتكلم، نلعن، يتلوى، نعرج على الحانة، نسكر، فنهرب.
كان عاشقا للحرية، وكان من الممكن –أحيانا– أن يمتنع عن كل "حرية نسبية"، في سبيل خلاصه/حريته الكاملة. جاءني ذات يوم مبتهجا (بينما أنتظره خارج المقهى). عانقني ثم قال: "أنت الوحيد الذي لا هرب لي عنك، حريتي يا صديقي بعد الآن تكمن في القفز، في الهرب المستمر". على خلاصته هذه بنينا تغييرنا لمشروباتنا، لمأكلنا، للمقهى الذي نرتاده، للحانة، للأحاديث التي ننسجها...
من مقهى.. إلى مقهى.
من وظيفة.. إلى وظيفة.
من فكرة.. إلى فكرة.
من قيد.. إلى قيد.
القيود هي قدرنا كي نكون. أهذا هو الخلاص؟
لم أره يائسا من قبل، كما رأيته تلك الليلة.حين غادرنا المقهى، ودخلنا الحانة، لم تتجاوز حركاته، إفراغ الكأس (أو القنينة) في جوفه. أحيانا كان ينظر في الأفق بيأس مرير، مختلط بسخرية قبيحة، ثم يخبرني بما يرى. كان ينظر إلى نفسه تحلق فوقه، يرى ذكاءه مزهوا، فيحتقره ضِعْفَ ما كان يحتقره قبلا، هذا الذكاء (وإن أعانه في دراسته، وفي حصوله على وظيفة جيدة..الخ) صنع له قيودا أكثر مما أعانه على الوصول إلى حريته. ثم يدخل في تحديق عميق في الطاولة التي نجلس إليها، وفي صمت طويل. تقطعه "قَرْقَعَةُ" قناني البيرة وكؤوس الويسكي، وقليلا ما تقطعه جملة مقتضبة منه. تلخصت المأساة من جديد، في كونه لم يعد يحب الالتزام بأية قواعد، كما لم يعد يحب كسر أية قاعدة.. صار يردد: "القواعد وكسرها وجهين لنفس العملة.. وجهين للعبودية".
كنت أكتفي بدهشتي، بخوفي من الكلام الذي قد يفجر اللغم الذي يمسكه تحت لسانه. كنت أخشى دفعه إلى مغادرة الحانة.. أحسست أن هذه هي آخر لحظاتي إلى جانب رفيق عمري. في النهاية، ودعنا بعضنا بنظرة ملؤها الخوف من المجهول القادم إلينا.
هذه المرة، دخلت المقهى وحيدا، وغادرته وحيدا، تتبعني أصوات الجالسين: "مْسِيكِينْ، صديقه المهندس، حَمْقاتُو القراية".*
تذكرت آخر مرة عرجنا فيها على الحانة، أتذكر وجهه العليل، أتذكره مرتابا في خطوه، في اختياره طريق العودة. أتذكر حين عبَّ في جوفه، آخر كأس ويسكي، ونزت من شفتيه ابتسامة ساخرة، تنم عن أن كلاما حكيما سيليها، ثم قال وهو يشير بالسبابة نحو رأسه:
العقل هو الفخ يا صديقي. حمله الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا.
غادرنا.. ثم لم أره بعد ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تعبير باللهجة العامية المغربية.

تصويت

18

رقم:36549