شغف


كنت لا أزال مستلقية على سريري بينما عيناي شاخصتان في السقف، حين سمعت صوت الباب يصفق. في نفس التوقيت من كل يوم تجتاحني ضلال من الأفكار الشاحبة، والمبهمة التي تنخر أضلعي منذ سنوات. لا شك أنه خرج... ذهب وتركني أتلفع وحدتي البهيمية. وكالعادة لا أعرف ماذا أفعل بالوقت الذي أقضيه في المنزل وحيدة بدون عزاء. فأشرع بشعور آلي تعود عليه دماغ واستجب له جسدي في مضغ أفكاري السلبية، كانت فكرة ضياع فرصة أن أعود إلى الوراء تشلني، وكان وعيي بعامل الزمن الذي يحكم الإنسان فيجعله في كل دقيقة يخضع لقوانين لا يتحكم فيها يجعلني أندم أكثر، فيسحقني إحساس بالمرارة ويخز قلبي كشوكة حادة. أما وأنا أقضي الساعات كيفما اتفق فأحس أنني لم أعد أستطيع إرضاء هذه الروح الهائمة، الشاردة، الملالة، التي سئمت من هكذا حياة... لكن هذه الحياة أنا التي قبلت بها في البداية و وافقت عليها في الظاهر، بينما في دواخلي كنت أرفضها، كنت أمقت كل شيء يشي بالاستسلام. كيف أمكنني الاستسلام يا إلهي؟ أبعد هذه السنوات يطل علي تأنيب الضمير من كوة الباب الذي تركته مواربا؟
أنهض من فراشي بكسل، أزيح الستار قليلا وأطل من زجاج النافذة فيطالعني أحمد بقامته الطويلة وشعره الرمادي حيث كان يهم بركوب سيارته. هل أكرهه أم أحبه؟ هل سئمت من العيش معه بعد السنوات العشرين التي قضيناها سويا؟ كيف أكرهه وقد أنجبت منه طفلين كبرا الآن وحلقا بعيدا عن سمائي؟ وكيف أحبه وقد سرق مني أحلامي وتركني ملقاة على رصيف اليومي والمكرر ككومة جرائده ؟
أذكر لقاءنا الأول في مكتبه حين رحت أعرض عليه بصدق نبي مقالاتي، وأدعم طلبي بشهادتي الصحفية التي كنت أحملها بين أوراقي، لعله يحقق حلمي بالعمل في جريدته التي كانت أهم جريدة في البلد آنذاك. بعدما أتممت حديثي وأنا أتعثر في الكلمات بسبب خبث ابتسامته ومكر عينيه، نظر إلي نظرة ملغزة، وقال وهو ينهض من مكتبه ويقف أمامي بينما عيناه مصوبتان في عيني كسهمين نافذين: أنت يلزمك من يتأمل وهاد عينيك.. من يستمع لتنهيدة روحك الشفافة... من يشم عطر أنفاسك... أتعلمين أنك امرأة استثنائية بشموخك وعذوبة كلماتك من أي عصر أتيت إلي أيتها البهية ! كان لصوته يومها عمق شاعر يلقي قصيدة حب.
كيف لي أن أقاوم إغراء الكلمات التي عبرت فوق مسام جسدي ببطء ودغدغت كل شبر في؟
ازدرت ريقي بصعوبة وأجبته بجدية لا أعرف كيف تصنعتها وأنا أدرك تماما أن أي امرأة لم تكن لتصمد أمام هذه الكلمات الملتهبة: أرجوك... أنا لا أطرب لهذا النوع من الكلام، وفر كلماتك لأخرى ربما ستسعد بسماعها أما أنا فقد جئتك لأجل العمل وليس لشيء آخر. لم يبد من ملامحه أنه توقع مني ذلك الرد المتشح بالصد. أما حين لاحظ نبرة الغضب في صوتي، فقد أخبرني أنه سيقرأ المقالات والقصص باهتمام بالغ. ثم قام بنفسه لإيصالي خارج مقر الجريدة. لكن رغم تظاهري بالإصرار على تحقيق حلمي لم أصمد طويلا أمام إغرائه. ويا ليتني استطعت الصمود...
بعد أسبوع يا أحمد أصبحت زوجتك وانتقلت للعيش معك في منزلك الشاحب والبارد الفارغ من أي لمحة اهتمام، وبدل أن أعمل معك في الجريدة أصبحت أهتم بكل تفاصيلك: كأن أقترح عليك ماذا ترتدي في اجتماع مهم، أو أنتظر عودتك من عملك مساء دون أن تعير انتظاري أي اهتمام أو أن أقوم بطبخ الأكل الذي تحبه. تلاشى غزلك وكلامك المحبب إلى قلبي فور عودتنا من رحلة شهر العسل، وغدونا كأي زوجين في هذه المدينة نأكل وننام لننام ونأكل. كنت أقضي الأيام ببلاهة من لم يجد معنى لوجوده، دون أن أعثر على ذاتي التي كنت أفقدها يوما بعد آخر. شغلتني حياتي الزوجية بزيارات عائلية تافهة يملئها الرياء والنميمة، وتعليقات ساذجة لنساء يحشرن أنفهن في كل كبيرة وصغيرة. وأقنعت نفسي بكل السبل بأن أصير جزءا من هذا المجتمع. لم يكن لي من عزاء عندها سوى رعاية طفلي والاهتمام بهما، فجعلتهما محور عالمي ومستقبلي.. فكانت النتيجة أن أخذت مني هذه المدينة الروتينية التافهة أحلى سنوات عمري. وأخذت مني أنت في المقابل طموحاتي وإصراري على الحياة.

سمعت صوت الباب يفتح، لقد وصل أحمد في موعده المحدد. أسمع خطواته باتجاه مكتبه حيث سينزوي بكل جفاء وقسوة، وحيث سيقضي ساعاته دون أن أخطر على باله ولو لحظة. وأنا؟ أنا هنا أعض على الألم المعتق في كهوفي المظلمة. ما أن يقوم بإغلاق الباب وراءه حتى تنتابني نوبة من الهذيان غير المسموع... فلا أحد يسمع روحي تئن غيري وأنا أنصت لأفكاري التي تتصارع وتتضارب وتتخاصم معي بلغة مجهولة. فأشعر دوما بأني وحيدة في هذا العالم، وبأنني مرمية في هاوية من الأحزان. كل دقيقة تمر وهو خاضع لسلطة أوراقه كانت أعاصير تجرفني وترمي بي بلا رحمة فوق أحجار مسننة تشج رأسي...
بعد زواجي بسنتين وبعد أن أصبحت أما لمرتين، كان أحمد يحاول إقناعي بأنه وطفلينا في حاجتي أكثر من الكتابة، فتعمد أن يشغلني بأمور منزلية تافهة، وبمواعيد عائلية تضيع المجهود الذهني والنفسي والجسدي والوقت، وأخذ يحول تفكيري عن الكتابة وعن فكرة العمل معه في الجريدة، كان يقول أن عالمه عالم متاعب وأنه لا يرضى على نفسه أن تتخبط زوجته في المتاعب والمشاكل.
أسمع صوت أحمد ينادي علي، أعرف ما يريده مني، إنه يريد أن أحضر له فنجان قهوة كي يركز في شغله. لن أجيبه...لن أرد عليه...لن... أقف بشموخ منتصبة الرأس، وفجأة أحس بلذة تسري في أوصالي. أذهب لقبو المنزل وأبحث عن العلبة الكرتونية التي أغلقها بدون إذني، والتي كانت تحوي كتبي التي أحب ومقالاتي وقصصي وأشعاري التي كتبتها بنشوة البدايات... فتحت العلبة التي زحف إليها غبار الإهمال. ما إن فتحتها حتى صرخت صرخة فزع دوت في أرجاء المنزل، لقد صدمت من منظر الأوراق المتآكلة التي أكلتها الجرذان ولم يبق منها سوى نثار خراب. لكن رغم كل شيء لن أستسلم.
وكأن قوة جنونية تدفعني للأمام فأرجع راكضة إلى الغرفة حيث كنت أقضي الساعات غارقة في الملل، بحثت في الأدراج عن ورقة وقلم، أمسكت القلم وأنا أحاول التغلب على رعشة أصابعي، نظرت مليا في الورقة، وكأن بياض الورقة يفزعني.. ينقبض صدري، أحس بالاختناق، بالغثيان، بالعدم، بالعبث، بالضعف، بالخوف... لكني لن أستسلم. أحاول مجددا، أتأمل الفراغ الذي يحيطني فتتقافز الأفكار طرية كحبات الفاكهة لكن دون جدوى. أين شغف الكتابة؟ أين شهوة الكلمات؟ لا لن أستسلم.
لا زال صوت أحمد يتردد بكل بقسوة.. بينما صوت عميق آت من براري بعيدة جدا يتردد صداه في روحي بكل عنفوان.
فتحت الباب وخرجت من المنزل، انتبهت إلى أنني لا زلت أحمل الورقة والقلم بين يدي، أجري في الشارع بلا هوادة..كانت قوة جارفة تحملني لأمضي قدما ... يلاحقني صدى صوته فأجري لأهرب منه، من فشلي الذريع، من كل شيء.





كنت لا أزال مستلقية على سريري بينما عيناي شاخصتان في السقف، حين سمعت صوت الباب يصفق. في نفس التوقيت من كل يوم تجتاحني ضلال من الأفكار الشاحبة، والمبهمة التي تنخر أضلعي منذ سنوات. لا شك أنه خرج... ذهب وتركني أتلفع وحدتي البهيمية. وكالعادة لا أعرف ماذا أفعل بالوقت الذي أقضيه في المنزل وحيدة بدون عزاء. فأشرع بشعور آلي تعود عليه دماغ واستجب له جسدي في مضغ أفكاري السلبية، كانت فكرة ضياع فرصة أن أعود إلى الوراء تشلني، وكان وعيي بعامل الزمن الذي يحكم الإنسان فيجعله في كل دقيقة يخضع لقوانين لا يتحكم فيها يجعلني أندم أكثر، فيسحقني إحساس بالمرارة ويخز قلبي كشوكة حادة. أما وأنا أقضي الساعات كيفما اتفق فأحس أنني لم أعد أستطيع إرضاء هذه الروح الهائمة، الشاردة، الملالة، التي سئمت من هكذا حياة... لكن هذه الحياة أنا التي قبلت بها في البداية و وافقت عليها في الظاهر، بينما في دواخلي كنت أرفضها، كنت أمقت كل شيء يشي بالاستسلام. كيف أمكنني الاستسلام يا إلهي؟ أبعد هذه السنوات يطل علي تأنيب الضمير من كوة الباب الذي تركته مواربا؟
أنهض من فراشي بكسل، أزيح الستار قليلا وأطل من زجاج النافذة فيطالعني أحمد بقامته الطويلة وشعره الرمادي حيث كان يهم بركوب سيارته. هل أكرهه أم أحبه؟ هل سئمت من العيش معه بعد السنوات العشرين التي قضيناها سويا؟ كيف أكرهه وقد أنجبت منه طفلين كبرا الآن وحلقا بعيدا عن سمائي؟ وكيف أحبه وقد سرق مني أحلامي وتركني ملقاة على رصيف اليومي والمكرر ككومة جرائده ؟
أذكر لقاءنا الأول في مكتبه حين رحت أعرض عليه بصدق نبي مقالاتي، وأدعم طلبي بشهادتي الصحفية التي كنت أحملها بين أوراقي، لعله يحقق حلمي بالعمل في جريدته التي كانت أهم جريدة في البلد آنذاك. بعدما أتممت حديثي وأنا أتعثر في الكلمات بسبب خبث ابتسامته ومكر عينيه، نظر إلي نظرة ملغزة، وقال وهو ينهض من مكتبه ويقف أمامي بينما عيناه مصوبتان في عيني كسهمين نافذين: أنت يلزمك من يتأمل وهاد عينيك.. من يستمع لتنهيدة روحك الشفافة... من يشم عطر أنفاسك... أتعلمين أنك امرأة استثنائية بشموخك وعذوبة كلماتك من أي عصر أتيت إلي أيتها البهية ! كان لصوته يومها عمق شاعر يلقي قصيدة حب.
كيف لي أن أقاوم إغراء الكلمات التي عبرت فوق مسام جسدي ببطء ودغدغت كل شبر في؟
ازدرت ريقي بصعوبة وأجبته بجدية لا أعرف كيف تصنعتها وأنا أدرك تماما أن أي امرأة لم تكن لتصمد أمام هذه الكلمات الملتهبة: أرجوك... أنا لا أطرب لهذا النوع من الكلام، وفر كلماتك لأخرى ربما ستسعد بسماعها أما أنا فقد جئتك لأجل العمل وليس لشيء آخر. لم يبد من ملامحه أنه توقع مني ذلك الرد المتشح بالصد. أما حين لاحظ نبرة الغضب في صوتي، فقد أخبرني أنه سيقرأ المقالات والقصص باهتمام بالغ. ثم قام بنفسه لإيصالي خارج مقر الجريدة. لكن رغم تظاهري بالإصرار على تحقيق حلمي لم أصمد طويلا أمام إغرائه. ويا ليتني استطعت الصمود...
بعد أسبوع يا أحمد أصبحت زوجتك وانتقلت للعيش معك في منزلك الشاحب والبارد الفارغ من أي لمحة اهتمام، وبدل أن أعمل معك في الجريدة أصبحت أهتم بكل تفاصيلك: كأن أقترح عليك ماذا ترتدي في اجتماع مهم، أو أنتظر عودتك من عملك مساء دون أن تعير انتظاري أي اهتمام أو أن أقوم بطبخ الأكل الذي تحبه. تلاشى غزلك وكلامك المحبب إلى قلبي فور عودتنا من رحلة شهر العسل، وغدونا كأي زوجين في هذه المدينة نأكل وننام لننام ونأكل. كنت أقضي الأيام ببلاهة من لم يجد معنى لوجوده، دون أن أعثر على ذاتي التي كنت أفقدها يوما بعد آخر. شغلتني حياتي الزوجية بزيارات عائلية تافهة يملئها الرياء والنميمة، وتعليقات ساذجة لنساء يحشرن أنفهن في كل كبيرة وصغيرة. وأقنعت نفسي بكل السبل بأن أصير جزءا من هذا المجتمع. لم يكن لي من عزاء عندها سوى رعاية طفلي والاهتمام بهما، فجعلتهما محور عالمي ومستقبلي.. فكانت النتيجة أن أخذت مني هذه المدينة الروتينية التافهة أحلى سنوات عمري. وأخذت مني أنت في المقابل طموحاتي وإصراري على الحياة.

سمعت صوت الباب يفتح، لقد وصل أحمد في موعده المحدد. أسمع خطواته باتجاه مكتبه حيث سينزوي بكل جفاء وقسوة، وحيث سيقضي ساعاته دون أن أخطر على باله ولو لحظة. وأنا؟ أنا هنا أعض على الألم المعتق في كهوفي المظلمة. ما أن يقوم بإغلاق الباب وراءه حتى تنتابني نوبة من الهذيان غير المسموع... فلا أحد يسمع روحي تئن غيري وأنا أنصت لأفكاري التي تتصارع وتتضارب وتتخاصم معي بلغة مجهولة. فأشعر دوما بأني وحيدة في هذا العالم، وبأنني مرمية في هاوية من الأحزان. كل دقيقة تمر وهو خاضع لسلطة أوراقه كانت أعاصير تجرفني وترمي بي بلا رحمة فوق أحجار مسننة تشج رأسي...
بعد زواجي بسنتين وبعد أن أصبحت أما لمرتين، كان أحمد يحاول إقناعي بأنه وطفلينا في حاجتي أكثر من الكتابة، فتعمد أن يشغلني بأمور منزلية تافهة، وبمواعيد عائلية تضيع المجهود الذهني والنفسي والجسدي والوقت، وأخذ يحول تفكيري عن الكتابة وعن فكرة العمل معه في الجريدة، كان يقول أن عالمه عالم متاعب وأنه لا يرضى على نفسه أن تتخبط زوجته في المتاعب والمشاكل.
أسمع صوت أحمد ينادي علي، أعرف ما يريده مني، إنه يريد أن أحضر له فنجان قهوة كي يركز في شغله. لن أجيبه...لن أرد عليه...لن... أقف بشموخ منتصبة الرأس، وفجأة أحس بلذة تسري في أوصالي. أذهب لقبو المنزل وأبحث عن العلبة الكرتونية التي أغلقها بدون إذني، والتي كانت تحوي كتبي التي أحب ومقالاتي وقصصي وأشعاري التي كتبتها بنشوة البدايات... فتحت العلبة التي زحف إليها غبار الإهمال. ما إن فتحتها حتى صرخت صرخة فزع دوت في أرجاء المنزل، لقد صدمت من منظر الأوراق المتآكلة التي أكلتها الجرذان ولم يبق منها سوى نثار خراب. لكن رغم كل شيء لن أستسلم.
وكأن قوة جنونية تدفعني للأمام فأرجع راكضة إلى الغرفة حيث كنت أقضي الساعات غارقة في الملل، بحثت في الأدراج عن ورقة وقلم، أمسكت القلم وأنا أحاول التغلب على رعشة أصابعي، نظرت مليا في الورقة، وكأن بياض الورقة يفزعني.. ينقبض صدري، أحس بالاختناق، بالغثيان، بالعدم، بالعبث، بالضعف، بالخوف... لكني لن أستسلم. أحاول مجددا، أتأمل الفراغ الذي يحيطني فتتقافز الأفكار طرية كحبات الفاكهة لكن دون جدوى. أين شغف الكتابة؟ أين شهوة الكلمات؟ لا لن أستسلم.
لا زال صوت أحمد يتردد بكل بقسوة.. بينما صوت عميق آت من براري بعيدة جدا يتردد صداه في روحي بكل عنفوان.
فتحت الباب وخرجت من المنزل، انتبهت إلى أنني لا زلت أحمل الورقة والقلم بين يدي، أجري في الشارع بلا هوادة..كانت قوة جارفة تحملني لأمضي قدما ... يلاحقني صدى صوته فأجري لأهرب منه، من فشلي الذريع، من كل شيء.








تصويت

56

رقم:36560