هذر سكون

الجو رطبٌ، رطبٌ جدًّا، هذا المكان أشبه بمندوس عجوز محكم الإغلاق.
لا أستطيع التنفس، أشعر بالاختناق، كفٌ خفية تسد مجرى تنفُّسي، أحس بها مطبقة على وجهي، تحاول الفتك بي، حالة من الإسفيزكنيا تجتاحني، تكتمني، تقبضني، تشلُّ حركتي، ترهق جسدي، توقف قطار الدم عن السريان بشراييني، أنا على السرير وحدي، وعلى المقعد وحدي، ما الذي يشعرني بهذا الاختناق؟
حياتي في هذا المكان رتيبة، مملَّة، مضجرة، لا شيء يدعو للدهشة، لا شيء يحفِّز مخيلتي الخاوية، لا شيء هنا يدير آلة أفكاري المعطلة، لا جديد ينسف ميكانيكية رتابتي، مُتخَم أنا بالسأم، مشبع بالهم، نسيت كيف يعبِّر الناس عن انفعالاتهم، كيف يضحكون، يبتسمون، يبكون، يحزنون، يتفاجئون، يقلقون، يخجلون، يموتون، هل الموت إنفعال؟ آه أنا لست بخيرٍ.
الخواء يذبحني ببطئٍ، يمتص رحيق شبابي، يكسر ظهر أحلامي، يعفِّر التراب على وجه أمنياتي، يمرغ أنف سكينتي، يوحش وحدة طمأنينتي، يحطم أناة وقاري، يفرِّغ أيامي من معناها، يبدِّد ذاكرتي من محتواها، يرسِّخ دروب تيهي، أشعر أن السفه يتولَّد كالجنين في أحشائي، تغذيه وساوس ظنوني، وتسقيه لوثة هواجسي، ويحرسه إفك هذياني، لا طاقة لي على السيطرة على هذا الجنون الجارف.
أين سمعت أن كل شيء يموت؟ لا أعلم، ولكن أذكر أنني سمعت شيئًا بهذا المعنى، يا ترى هل مات الهواء؟ أيضًا لا أعلم، ولكني لا أشعر بوجوده!! ربَّما الهواء في إجازةٍ يقضي عطلته في أحد المنتجعات البحرية المنعشة أو يستمتع بالتسلُّق في مغامرةٍ جبليةٍ مذهلةٍ، لا أدري!!
حاولت تجديد نشاطي، مشيت في صندوقي الضيق الذي لا تتعدى مساحته 3 × 3 أمتارٍ، هذا المكان أشبه بمغارةٍ حالكة السواد شديدة العتمة، دأبتْ على ابتلاع الأرواح، لا جدوى من العبث في مكانٍ ضئيل ومنقبض كخاتم عذراء، زاده الحرمان ألقاً، تتناسل الليالي هنا كالنسخ الكربونية، تنجب تواءم متماثلة يصعب التفريق بينها، وكأن الزمن تغافل عن التحرك في هذه الرقعة من الكون، تزداد الغصة بداخلي، ترتقي للحلقوم، تحوم في قفصٍ صدري، تغوص شطر بقايا معدتي المهترئة، تعرج على جمجمتي الصدئة، زوبعة غريبة في رأسي، تلتف حول نفسها، تدور في فلك فراغي، تشق أستار فطنتي، تفضح وهن حصافتي، تكشف خفايا رعونتي.
(صندوق لحفظ الأشياء الثمينة).
تمدَّدت على سريري ذي الحجم الطفولي، تسري نسمة باردة في جسدي، ينخفض منسوب توتري، ينتظم محرك تنفسي، يرتعش جفني نعسًا، تغتالني بساتين خضراء، تحتضنني زنابق بيضاء، يخيل لي أنني أشتم رائحة قهوة، تنبسط رئتي فرحًا، تغني عيني طربًا بالألوان، تتلقفني روائح عطرة، تحييني فراشات جذلة، يملأني الكون الواسع، يمدُّ لي ذراع أفقه الرحيب، يطعمني من إناءه الرحراح، يسقيني من خدٍّ قدحه الوضاح.
فجأة، اهتز المكان، الصندوق يترنح، يتزحزح، يتضعضع.
صباح الخير سيد ليث، هل نمت جيدًا؟ تنتهي فترة محكوميتك بعد أربعة ساعات، مضت الثلاث سنوات سريعاً، خُذْ وقتك في توضيب أمتعتك، سنفتح لك العنبر العام؛ لتوديع زملائك إذا رغبت في ذلك.
أراك قريبًا.

تصويت

30

رقم:36564