القَفزُ إلى بَارِيسْ


"وائل، ضحية أخرى والأعداد في تزايد..."
"شاب آخر ينهي حياته في ظاهرة باتت تتفشى بيننا كال..."
"وائل، لروحك ألف سلام."
* * *
أنا وائل، واليوم هو الرابع من العطلة ولم أفتح كتابا. تراكمت عليّ الدروس حتى بات الأمر مستحيلا. سأرسب، والكتب كثيرة، وسأعيد السنة ولكن، ماذا في ذلك؟ كل شيء يؤلمني ولا أشعر بإمكانية تحريك أطرافي، جسمي ضعيف حتى الوهن ولكن، لا يهم. أستطيع أن أغمض عيني وأنام، فتسكن كل آلامي وأفقد إحساسي بكل شيء. أليس النوم جميلا؟
لقد اكتشفت مؤخرا أن اقتراب الامتحان لا يعني بالضرورة أن عليّ الإسراع واللحاق لإتمام المنهج، وأن بإمكاني تجاهل كل شيء وترك مضمار السباق الذي يجري فيه العالم لوهلة، ثم الجلوس خارجا وعدم القيام بشيء أبدا. اكتشفت أن خسارة كل شيء ليست بالأمر المؤلم، وأن باستطاعتي التخلي عن كل ما علّقت عليه حياتي في لحظة واحدة. لا يتطلب الأمر جهدا.
كل زملائي منهمكون بالدرس الآن، وأنا أنتقل من فيلم إلى آخر منذ الصباح. أطفأت التلفاز فقد سئمت حد الغضب، وارتجفت حتى شعرت بأني على وشك الانفجار ثم انطفأت وهدأت. إنني كئيب ولا أعلم لذلك سببا، فقط كئيب. فكرت في الآونة الأخيرة بكل شيء، فلم أجد ما يعنيني. ألقيت نظرة على الحياة في الخارج فوجدتها بلا معنى. فارغة جدا. الشهادة والتفوق والمال والسفر والأصدقاء والحفلات والطعام الشهيّ والبذخ والترف والعلاقات المتينة والأماكن الجميلة والعالم كله، ثم ماذا؟؟ لا جدوى. لا قيمة. ملل.
صرخت وهذيت وضربت الحائط مرارا. الكآبة مؤلمةٌ جدا ولا أطيق نفسي أبدا. روحي عالقة في حنجرتي لكنها لا تخرج. تعذبني. تؤلمني. أختنق بها طوال الوقت. يضيق صدري، ينقبض ولا ينفرج. شيء ما يضغط عليّ ويضغط ولا ينفكّ ويقتلني ولا أملك لنفسي حيلة. لا أرغب برؤية أحد، فقط أبكي. ساعات طويلة أبكي. نوبات هستيرية، دموع ونحيب وحزن عميق وعالم أسود حالك، لا نهاية لسواده. إنني في الدرك الأسفل من العالم، في القاع، تحت كل شيء ولا أستطيع النهوض بنفسي إلى الحياة مجددا.
* * *
أنا وائل. أنا الذي كلمكم البارحة عن نفسه، الذي كان في القاع، نعم. يداي اليوم تلامسان السماء. استيقظت عند الخامسة صباحا ونظرت فإذا بالامتحانات تقترب وما زال لدي يومان قبل أول امتحان. نشيط جدا وأشعر بأن لدي من الطاقة ما يكفيني لأركض حول العالم مرات عدة. إنني سعيد ومتفائل، فكل شيء يبدو نقيا وجميلا. أستطيع أن ألحق من الدرس ما يعينني على النجاح. فتحت الكتاب وبدأت ولكن دون تأفف. بدا لي كل شيء سهلا ويسيرا، كانت الدنيا تضحك، وهل لي سوى أن أكون إيجابيا والحياة صافية إلى هذا الحد؟
سمعت صوتا في الرواق يناديني فخرجت للتأكد ولم أجد شيئا. عدت إلى كتابي وانكببت عليه لأنهي أكبر جزء ممكن قبل موعد الامتحان. كانت الفرحة التي تغمرني عارمة، كنت أطير. اتصلت بأمي التي لم أكلمها منذ أسبوع، طمأنتها عن نفسي، تحدثنا عن الطقس وعن الجيران وعن العطلة الصيفية وعن إخوتي، تمازحنا وضحكنا وأزلنا الشوق وحلقنا فوق كل المسافات التي كانت تفصل بيننا.
لم أكن قادرا على التركيز كثيرا أثناء الدرس وكنت مشتت الذهن، فقد كانت الأفكار تعصف بي وتأخذني يمينا يسارا ولم أتمكن من السيطرة عليها، لكنني كنت متفائلا جدا. شعرت بأن بإمكاني أن أتفوق على الجميع، فلطالما تميزت عنهم في جميع المجالات. كان يبدو لي أن كل شيء سيكون على ما يرام، كل شيء سيكون جميلا وبهيا، فالفرح كان يسري في دمي ونوبة الأدرينالين هذه لم تكن لتنتهي بأي شكل من الأشكال.
* * *
أنهيت امتحاناتي ولا أدري كيف أبليت ولكنني واثق بأني لن أخفق. ركبت سيارتي ومضيت لأصطحب صديقي سامر إلى العشاء. كنت قد دعوت جميع أصدقائي حتى الذين لم تكن تربطني بهم علاقة قوية، وبدت الحياة رائعة تستحق أن أعيشها إلى أقصى الحدود. أردت أن أحتفل بلا سبب، أن نصرخ جميعا وأن نجنّ... أن نفقد السيطرة على أنفسنا، فالحياة ليست سوى طاقة كبيرة علينا أن نفرغها، أن نكون دائما في أعلى مراتب السعادة اللامبالية.
في الطريق، كاد سامر يفقد أعصابه وهو يصرخ في وجهي ويرجوني أن أخفف سرعتي ولكنني كنت أزيد السرعة وأضحك، أنحرف بسرعة وأضحك، تدور بنا السيارة ثلاث دورات ولا أجد سببا لصراخه وقلقه فأضحك. لا أعلم كيف استطاع أن يوقفني ويأخذ مكاني في القيادة، كان الأمر مسليا حقا. وصلنا وهو يلتقط أنفاسه والغضب واضح على وجهه، فدفعته قليلا وأنا أبتسم ليعدل ملامحه قليلا.
حضر الجميع فوقفت ورحبت بهم بصوت عال ثم دعوتهم لأن يستمتعوا وأن لا يفوتوا لحظة من المرح. شعرت للحظة بأنني أملك العالم. وبينما كنت أجلس، همس أحد أصدقائي لسامر: "ألم يكون خجولا؟ لقد تهرب دائما من التكلم أمام الناس في مواقف كهذه"، فأجابه: "لا أعلم، إنه غريب اليوم، لم أره في هذه الحالة من قبل". سمعتهما فوقفت حالا وقلت بصوت أعلى: "لا لست خجولا، ولم أكن يوما كذلك. ألا تذكرون أني دائما كنت أحصل على المراتب الأولى في مسابقات الإلقاء والخطابة عندما كنا في الثانوية؟؟". تململ سامر واستشعر شيئا غريبا في طريقة كلامي فحاول إيقافي، لكنه لم يستطع. صرخت في الجميع بأن القلق شيء غبي وأن عليهم أن يفرحوا، أخبرتهم بأن كل لحظة لن تتكرر وبدأت بالغناء حتى تحولت كل العيون نحوي، وخجل كل من معي واحمرّت وجوههم، فقام سامر بسرعة وسحبني بغضب إلى الخارج وأعادني إلى المنزل بصعوبة. حاولت ضربه وصرخت كثيرا وشتمته ثم همدت عاصفتي بينما وبخني طوال الطريق..
- من أين خرجت بمهارة الإلقاء هذه الآن؟ إنك تهذي. ما الذي فعلته، ما بك، ما الذي يحصل معك أخبرني الآن.
- ألست موهوبا؟
ارتفع صوته.
- لا أيها الغبي.
- حسنا، لا يهم. إنني سعيد للغاية الآن، أشعر بأنني في قمة العالم. هل سبق ومررت بشيء كهذا؟
- أبدا، لم أجن بهذا الشكل من قبل!
وصلنا إلى المنزل فأوقف السيارة ونزل مغلقا الباب بعنف.
- سأعود مستقلا سيارة الأجرة بسببك. انزل الآن وسنتكلم غدا عن مهزلة اليوم، إذا كنت قد عدت إلى وعيك طبعا.
- لن أكون في وعيي أكثر من الآن.
* * *
إنها الثانية ليلا وغدا يبدأ الفصل الجامعي الجديد ولا أستطيع النوم. لا أشعر بالنعاس أبدا، بل حتى إن طاقتي تزداد. نزلت إلى الشارع وركضت ما يقارب الساعة ثم عدت ورميت نفسي على السرير. فكرت فيما حصل معي وكيف أنني غنيت أمام الجميع محرجا أصدقائي فأضحكتني الفكرة كثيرا، ثم غفوت.
استيقظت عند السادسة ولم أبدُ أبدا كشخص لم ينم سوى ثلاث ساعات أو أقل، بل بلغت من النشاط ما لم يبلغه أحد. استحممت وتناولت فطوري بكل هدوء وارتديت ملابسي ثم توجّهت نحو الجامعة. أمضيت يوما رائعا إن لم نحتسب نظرات أصدقائي وبعض التعليقات حول ما حصل. جاوبت الجميع بأن بإمكاننا إعادة المشهد، "سيكون ذلك ممتعا" قلت لهم، فرموني بنظرات ساخرة.
كنت ودودا مع الجميع، ووزعت ابتسامات على كل من صادفت. لكنني لم أهدأ في أي من المحاضرات. لم أتمكن من الانتباه بأيّ شكل، فكانت أي فكرة صغيرة تلهيني وتشتتني. لم يقلّل ذلك من اندفاعي، لقد كانت رغبتي بالإنجاز أقوى من أيّ شيء. أردت كثيرا أن أثبت نفسي وأن أتميز وأن أحقق كل أحلام عمري دفعة واحدة... حاولت قدر المستطاع أن أشارك عبر الإجابة والنقاش حتى لو لم أكن أفهم شيئا، حتى لو كنت سأبدو غبيا في كثير من المواقف.
في الاستراحات، تكلمت مع الجميع وخضنا في مواضيع لم تكن تهمني في السابق ولم تلفت انتباهي يوما. كنت أتكلم بسرعة وبصوت عال، فاضطررت مرات عدة أن أعيد ما قلت بشكل أوضح. بدا لي كل شيء جميلا وشعرت بأن الدّنيا تقف أمامي في أبهى حللها. أردت ألا ينتهي هذا الوضع أبدا.
حاول سامر التّكلّم معي أكثر من مرّة، كان يريد توضيحا لتصرّفاتي والتأكد مما أمّر به. تجنبت الخوض معه في الحديث، وكلما قال شيئا غيرت الموضوع أو مازحته حتى غضب. لكنني كنت سعيدا ولم أهتمّ. كنت مندفعا، أردت التكلّم عن أشياء جديدة، عن الخيال وعن الأشياء التي نحبّها وعن المستقبل. امتعض من تصرفاتي فتوقف عن المحاولة وابتعد.
* * *
خرجت من الجامعة وذهبت للتسوق. اشتريت الكثير الكثير. مر زمن منذ أن اشتريت شيئا، خضار وفواكه ومعلبات وعدة أنواع من الخبز وكتب وثياب وأشياء كثيرة لا حاجة لي بها لكنني استمتعت حقا بصرف المال دون تفكير. فكرة التصرف دون مراعاة أي حدود وبلا مبالاة أشبعت فيّ شيئا وأفرحتني إلى حد كبير.
في طريق العودة، فكرت بما قد فعلت للتو، فاستغربت من نفسي. ما الذي أفرحني إلى هذا الحد؟ ما الذي جعلني أستمتع بهذا الفعل السخيف وما معنى أن أشتري كل هذه الأغراض لمجرد أنني قد أحتاجها. تضايقت قليلا، وكلما اقتربت من المنزل ازداد انقباضي وملت أكثر إلى الإحباط. وصلت وقد نبتَ فيّ حزن مفاجئ، وتمنيت لو أن بإمكاني التخلص من كل ما اشتريت وإيقاف كل شيء والصراخ في وجه المارة وتوبيخ أحدهم والبكاء.
صعدت إلى الأعلى وأغلقت الباب بعنف ووضعت الأكياس أرضا ثم نثرت الثياب أمامي وجلست أتأملها. ما معنى هذا الآن. ما هذا الهراء. ثم نهضت وبعثرتها بغضب وصرخت. هل أنت بحاجة لها. ما هذا. ركلت الطاولة انتقاماً فآلمتني قدمي فركلتها ثانية فآلمتني أكثر فركلتها ثالثة وجثوت على ركبتي ويداي تحيطان برأسي وبدأت بالبكاء فبكيت حتى خارت قواي فجرّيت نفسي إلى السرير وغفوت.
صحوت في اليوم التالي على أصوات أبواق السيارات في الخارج فتكوّرت تحت غطائي وأغلقت أذني وأجبرت نفسي على النوم مجددا. بقيت على هذه الحالة عدة أيام، كئيبا ومكسورا، فارغا من الداخل وشاحبا من الخارج. أتنفس بصعوبة ولا أتناول من الطعام إلا ما يبقيني على قيد الحياة أو أقل. جسدي ضعيف ولا قوة لدي لأقوم من السرير، كل ما كنت أشعر به هو الألم، والعالم الأسود عاد ليلفني من جديد.
* * *
بقيت خمسة أيام على هذا الحال. لم أذهب إلى الجامعة ولم أفعل شيئا. لم أفتح الباب لأحد ولم أقم بأي حركة تتطلب جهدا. حتى سامر الذي زارني عدة مرات وناداني طويلا لم أفتح له. في الحقيقة لم أكن جاهزا لأواجه أي إنسان بتلك الحالة. وصلتني منه الكثير من الرسائل يسألني فيها عن حالي وعن سبب اختفائي، ففتحتها ولم أردّ على أيّ منها. بقيت في شقتي التي تحولت إلى كارثة وكأن إعصارا مر بها، وحيدا جدا. بكيت بصوت عال وتجرعت من المهدئات كل ما وقعت عليه عيناي.
حسّنت المهدئات من حالتي قليلا، فنهضت وأصلحت الوسط بعد أن استعدت شيئا من قوتي. حاولت بعد ذلك أن أظهر نفسي كإنسان طبيعي ثم اتصلت بسامر فانهال علي بالصراخ والأسئلة الغاضبة، لكنني لم آبه لذلك، قلت له: "تعال، أرجوك"، فسكت ثم تأفف وقال: "حسنا".
فتحت له الباب فدخل وعلى وجهه علامات استفهام واستنكار واضحة.
- أين كنت ولماذا لا تجيب؟؟؟
- كنت هنا.
- حقا؟ تخبرني بكل بساطة أنك كنت هنا. لقد كدت أجنّ، هل تفهم؟؟
نظرت إليه ولم أملك جوابا، فأكمل بنبرة أعلى:
- أنظر إليّ، إنني أتحملك كثيرا ولكن لا بأس. سأنسى كلّ شيء. أما الآن، فإنني أرجوك، أخبرني. أيا كان الذي تمر به، أخبرني فقط. ما الذي يحصل؟؟
- لا أدري.
- أهذا تلخيصك لكل شيء؟
- سامر، أعلم أنك غاضب مني كثيرا ولك الحق في ذلك، لكنني مثلك تماما، لا أفهم شيئا. أعتقد أن مشاعري اختلطت في الفترة الأخيرة، هذا كلّ شيء.
- إنك غريب فعلا! تتصرف بتهور وتقوم بأفعال سخيفة ثم تفضح نفسك في مطعم مليء بالأشخاص، وبعد ذلك تختفي لعدة أيام ثم تناديني لتخبرني أنك لا تعلم ما الذي تمرّ به. هل حقا علي أن أتعامل مع كل هذا؟
ثم نهض وخرج غاضبا، ولا أظنّ أنه سيعود. لقد كنت بحاجة شديدة لأن أتكلم معه ولم أنجح في ذلك، لم أملك ما أقوله له.
* * *
بعد مضيّ تلك النوبة وعيشي كإنسان طبيعي ليومين، ذهبت إلى الجامعة وأدركت أن انقطاعي عنها لم يكن لصالحي أبدا. ومع مخالطة الناس والتجوّل في الخارج، بدأ نشاطي السابق وحبّيَ للحياة يعودان إليّ. أردت أن أكلّم سامر، لكنّه لم يكون موجودا بعد الآن. أحزنني ذلك قليلا، لكنّ تأخري في المباشرة بالعمل لمشروع التخرّج شغلني عن تلك الفكرة.
انصرفت للعمل وبدأت أبحث عن فكرة للفيلم الذي سأصوّره، وكلما وصلت لشيء ازدادت فرحتي، حتى أنني وجدت الفكرة سريعا وبدأت بكتابة الأفكار التي سأعمل عليها. عملت بجدّ ونسيت النوم. لم أشعر بالحاجة إليه أصلا، كنت مندفعا بشدّة، وكان هذا الاندفاع يمدّني بطاقة عجيبة.
فتحت الحاسوب لأقرأ عن بعض الأشياء التي أحتاجها فمرّ أمامي خبر عن حفل توزيع جوائز، فشعرت وكأنّني أتذكّر شيئا. أحسست بأنني معنيٌّ بالموضوع وتحمّست للفكرة كثيرا. نهضت بسرعة ورحت أدور حول نفسي مفكرا، لكنني تجاهلت هذا الشعور وعدت لأكمل عملي.
ظلّت الفكرة تلاحقني وانتابني شعور غريب بالتفاؤل. تملّكني نشاط عجيب وسمعت صوتا يقول لي بأن فيلمي قد حاز جائزة في حفل ما في باريس. تأكدت عندها من أنّ فيلمي هو الذي كان في الخبر. لم أكن متأكّدا من كيفيّة وصوله لباريس، لكنني كنت على يقين بأنه هو. لم أستغرب من نفسي كثيرا، فقد كانت ثقتي بعملي كبيرة وكان الفوز أمرا طبيعيا. فكّرت بأنّ عليّ أن أستلم جائزتي فأسرعت لأحزم أمتعتي بسرعة فائقة. ثم تبادرت لذهني فكرة الطّيران في الجوّ، كيف تستطيع الطائرة بكلّ ثقلها أن تحلّق عاليا، وأنّ وزني أخفّ منها بكثير، فشعرت بأن الأمر سهل جدا وأن الطيران فكرة مذهلة. وجدت نفسي خفيفا كما لم أكن من قبل. إنني سعيد للغاية، صوت ما يناديني: إلى باريس، بسرعة، إلحق، لقد فزت. استجبت للصوت بسرعة، فتحت نافذتي وألقيت نظرة من حيث أنا، من الطابق الخامس.
بدأ الصوت يرتفع ويرتفع، حلّق، هيا، طر عاليا، إنك خفيف جدا، سيحملك الهواء وستنتعش من برودته وستبلغ سعادتك ذروتها، ستستلم جائزتك، هيا، إلحق، طر...نظرت إلى الأعلى، إلى السماء، أغمضت عينيّ للأبد وطرت.
* * *
أنا وائل. أنا حقيقة مغيبة، لا تدرك نفسها حتى. أنا معاناة خفيّة، لا يراها سواي. تارة أتجوّل بينكم كشبح فارغ إلا من الموت، وتارة أخرى أعيش جنوني بشكل مفرط، وفي الحالتين أخسركم. أخسركم وأنا في أمسّ الحاجة لأن تمسكوا بيدي وتخرجوني من غياهب مأساتي.
أنا موجات حادّة من الكآبة تتبعها شحنات هَوَسْ. أنا دمية معلقة بين عالمين لا يحدّهما سوى الضّياع.
أنا انعدام الاستقرار، أنا فقدان السيطرة، أنا الاتجاه المحتوم إلى الهاوية.
أنا وائل وقد فات الأوان لفعل أيّ شيء. أنا مريض ولن ينفع أيّ علاج بعد الآن.
أنا وائل، ولن أعيش لأدرك أنّ كل ما أخبرتكم به كان يحصل معي...
أنا وائل.
أنا حالة.
أنا ثنائيّ القطب.

تصويت

241

رقم:37786