حياةٌ أُخرى

لم تُثلج بعدْ، ولم تكن زخات الشّتاء السٌالفة كافية لإطفاء داخلي المشتعل، لكن لا بأس ستُنزلُ السماء مطرا يُثلجُ صدري في نهاية المطاف، أليس كذلك؟ أسيرُ وسطَ زحامِ الطّلبة، كلٌّ على عجلة من أمرِه، وأسيرُ وزحام أفكاري نحو وجهتي التالية: الحافلة. إنّه من الصعب حقًّا تجاهل أحاديث النّاس الصّاخبة في الحافلة، وفي هذا عذرٌ أخلاقيٌّ لي حتى أنصت لحديث النّاس وقصصهم دون ملامة. حسنا، أعلمُ أن هذه الحقيقة تترك انطباعا خطأ عني، كأنّني شخصٌ فارغٌ آخر. لكن لتعرفوا الحقيقةَ كاملةً، فأنا لا أفعلُ ذلك بهدف الفضول أو التطفل على حياةِ الآخرين. أنا أفعلُ ذلك لأمرين: أوّلا، أؤمن أن الجميعُ متفرّدٌ في تفاصيل حياته، وإن بدت عادية جدا. ثانيا، أنا صامتة معظم الوقت، وتزعجني الأحاديث القصيرة إن كنتُ أنا أحدَ أطرافها. كما تعلمون، وجد البعض ليتحدث، والآخر وجد لينصت. فلا سبيل في إرضاء رغبتي هذه، سوى أحاديث العوامّ في الحافلة، ومحاضرة الفلسفة التي التحقتُ بها لهذا الفصل الدراسيّ. أجلس على مقعدٍ وحيدٍ، وأسترق نظراتٍ خاطفة إلى ضيوفي على الحافلة اليوم. أمامي شابٌّ ورجل. وفي المقعد خلفي فتاةٌ منغمسة في هاتفها النقال. يبدو الإنصات لحديث الفتاة خيارا غير متاح، ليس وهي تبدو شاردة الذهن هكذا. لذا سأصبّ تركيزي على الشابّ والرجل أمامي. انقضت ربعُ ساعةٍ ولم يتحدث أي منهما، هل ستكون هذه أكثرُ المرّات مللا؟ أنتظرُ قليلا، أفكرّ في محاضرتي الأخيرةُ وما جرى خلالها.. سأل المحاضر بضعة أسئلة، بعد أن أعلن دخوله وبدأ بمقدمة جريئة، حيث تقدّم بعد أن فحص الحضور بعينيه بنظرة سريعة، وسأل: ما الحياةُ كما تراها؟ رفع زميلي يده ليشارك، وأجاب دون بذل جهد بالتفكير، وكأنه أفنى حياته في الاستعداد على إجابة هذه الأسئلة. قال أنّ الحياةَ هي العائلة والأصدقاء، وأيّ شخص يربطنا بهِ علاقةٌ إنسانية ما. حسنا، ربما تسرعت في الحكم عليه، فالأشخاص الذين يرون الحياة بهذا المنظور لا يبذلون جهدا للاستعداد لهذه الأسئلة، وليسوا في حاجة أيضا. ماذا يعني أن نربط حياتنا بأشخاص؟ لا أجدُ هذا غريبا، أتفهم أن للجميع رأي مختلف، كما أن في قوله شيئا يشبه الحقيقة. لا شك أن الحياة بلا معنى دون رفقة. بينما قالت زميلتي مجيبة للسؤال، أننا نفهم الحياة عندما نفقدها، أو إن كنا على وشك فقدها، أو إنهائها..وأوضحت كلامها بعد أن أخذت نفسا عميقا، أننا سنفهمُ الحياة على لسان الناس الذين كانوا على وشك مغادرتها، ولأن الموت نهايةٌ لا تعرف المواعيد، فإننا سنفهم الحياة ممن اختار إنهاءها بنفسه. وأخذت فان جوخ مثالا، لتقول مقتبسة من رسالة انتحاره: ما الحياةُ إلا بؤسا. تدخلتْ زميلةٌ أخرى في النقاش، وقالت في نبرةٍ جازمة، أنّ الحياةَ لا تملك معنى واحد فقط. نعم هي ما ومن نحب، وكل الذي نكره أيضا. وأننا في محاولات إعطاء الحياة معنى واحدا، نكون غير مُنصفين. المحاضر تدخل بابتسامتِه ونظرته تلك وقال: آراؤكم في هذه المواضيع، جميعها صحيحة بالضرورة. وزميلتكم الآن، اختارت أن ترى الصورة الكاملة، بدلا من رؤية الموضوع من زاوية واحدة فقط. وهذا لا يجعل أي من إجاباتكم أقل صوابا، إنما إجابتها فقط، أقرب للحقيقة. أبدى معظم الطلبة رأيهم في مفهوم الحياة، وانجرف بعضهم في حوارات دينية أنا في غنى عن ذكرها. لكن، ما الحياة بالنسبة لي؟ أفكر في المرات التي شعرت بها بكامل حيويتي، واندفاعي وقلبي الذي امتلأ بالحب، وكل العواطف الجياشة التي لم تعد تعرف طريقها إلى قلبي. أرفع يدي أنا أخيرا. ولا أتردد حين أجيب: الحياةُ فعل استنزاف. -كم الساعة الآن؟ يعيدني صوت الرجل أمامي إلى الحاضر مجددا. تقابلت عيناي والرجل للمرة الأولى الآن. إنه يبدو مألوفا جدا، عيناه صغيرتان، يميل لونهما للبني، أحد أسنانه ذهبية. ويبدو أنه لم يُحسن الاحتفاظ بخصال شعره. حسنا، أنا حتما أعرفُ هذا الرجل. -الساعةُ الآن تشير إلى الواحدة وسبع دقائق. أجيبُه، وأنتبه أن الشاب بجانبه قد غادر الحافلة. أتساءل متى نزل عنها؟ وكم من الوقت كنتُ شاردة الذهن؟ والأهم من هذا كله، من هذا الرجل، ولماذا يبدو مألوفا جدا؟ الشوارع مزدحمة تعجّ بالسيارات والنّاس والقصص، كلّها أخّرتني عن الوصول إلى شقتي سريعا. لا يوجد هناك شيئا لفعله بالمنزل، لم يكن أحدٌ ينتظرني ولم أكن أنتظر أحدا. ولم أفهم إصراري على الوصول سريعا، لكنني أردتُ الوصول على أيّة حال، وأزعجني هذا التّأخير المبالغ فيه، وإصراري أيضا.. التفتٙ الرّجل إلى اليمين قليلا، ملامحه مألوفةٌ بشكل لا يطاق. تعابيرُه تترك انطباعا ساخِرًا، أحاولُ جاهدَةً تذكّر سبب ألفته لي، وذاكرتي تخونني في معرفة المكان والزمان والسبب. ربمّا في حياةٍ أُخرى، كنتُ سأجلس بجانبه وأسأله ذلك مباشرةً، وسأستمع له يتحدّث وسأسمح لنفسي أن أكونَ طرفا في محادثة أودّ بشدّة الاستماع إليها. لكن هذه ليست طبيعتي، أو لم تعد طبيعتي في الأحرى. أنا لستُ من ضحايا إحدى تراجيديات الحياة، ولم أتعرّض لحادثٕ مأساويٍّ ما. حياتي، على جميع الأحوال تقسم إلى "قبل" و "بعد". وكما أوضحتُ مسبقا، إنّها ليست حياةٌ مختلفة. إنّها فقط، حياةٌ أُخرى. أما "قبل" فهي تُشير إلى نفسي ما قبل الضّجر، ما قبل الملل من القضايا ذاتِها، قبل تَسلّل السّأم إلى مفاهيمي في تقييم الأمور، وحين كان لكل شيء معنى وهدف. عندما كنتُ أنغمس في الطّبيعة كأنني أحدُ عناصِرها، وأنتظرُ سقوط أول زخات المطر في كل شتاء، كأنني لم أرَ المطر يوما. قبل أن أفقدَ دهشتي مرّةً وإلى الأبد. أما عن "بعد"، لا علم لي. لم أعشْ كفايةً لأعلم ماذا بعد الضجر. وجزءٌ منّي يؤمن أنه من غير المعقول ألا يوجد مخرجا للدائرة المفرغة هذه. يقولُ درويش: "في اللامبالاة فلسفة، إنّها صفةٌ من صفات الأمل". أظنّني أعرف ماذا يعني في قوله. يبدو، أنني وبأملي هذا أؤمن أن هنالك "بعد" للمرحلة الحالية. وبهذا أكون استغللت ما أملك من لامبالاة، حتى أتجاهل حاضري الذي لا يظهر أي بادرة للتغيير ولما "بعد" الضّجر. وأسمح لنفسي تخيّل المستقبل، بل وأأمل أن يكونَ أفضل. أعتقد أن اللامبالاة هي أحد الأساليب الدفاعيّة التّي تتوصل إليها النفس حتى تحمينا من خطر ..من خطر ماذا؟ ماذا سيحدث إن فقد الإنسان الأمل في التّغيير؟ ستبدو الحياة عدميّة جدا، كما لو أنّ اللامبالاة خطّ الدفاع من خطر موت الأمل. وأنا الآن أعيشُ "خلال". لقد أفقدني الضّجر شغفي، وتركني بعينين سئمتا محاولة رؤية الحقيقة وإدراكها. أنا آكل، أشرب، أدرس، وأقومُ بكلّ ما يُتوقع منّي إنجازه. كأيّ آلةٍ، بلا إرادة حرّة. توقفتْ الحافلة للحظات، تملأُ مزيدًا من الركّاب. وفي هذه المرّة يجلِس رجلا آخرا، بجانب رَجُلي المألوف. يبدأ الحديثُ بينهما سريعا، وأنا أصغي بحذر لكل كلمة، علّني أعرف سبب ألفة هذا الرجل. يُحدّث الرّجل المألوف الرّجل بجانبه، ويخبرُه عن رتابة زواجِهِ بهدوء ودون انفعال، وإن لم أخطئ التقدير، إنّه يبتسم. يصف أولادَه بقيد يربطه بزوجتِه، وأنّ فكرة الزواج لم تكن أبدا قرارا حكيما. ويقول: في الحقيقةِ يا صديقي الزواج لم يكن القرار الوحيد غير الحكيم في حياتي. ابتدأ ذلك منذ عُيّن علي اختيار تخصّصٍ محدد لأدرسه في الجامعة. وأنا لم أشعر يوما أنني أميلُ إلى شيء ما، لم أرغب بمسارٍ محدد، ولم أشعر أنّ هنالك شيء ما يشدني كفايةً لأفني حياتي فيه. كسب العيش، كان وقودي الوحيد في الاستمرار. واستمرّ ذلك إلى أنْ تخلّيت عن العديد من الفرص كانت ستأخذُ بحياتي منحى آخر، وربمّا ألطف من هذا. لكننّي وقعتُ أسيرَ جهلي بالاختيارات. لم أعِ أنّ الحياةَ غير صبورة مع المهملين أمثالي إلا متأخرا جدا. أنا أعتذر. هل أزعجتك؟ أنا أتحدّث كثيرا مع الغرباء. أجدُ في ذلك راحة ما. يهزّ الرّجل بجانبهِ رأسه في ملل ويقول له: أكمل، أنا أسمعُك. لكنه لم يبدُ مقنعنا، ويُخيّل لي أن الرّجل المألوف لاحظَ ذلك أيضا، لأنّه توقّف عن الحديث. "أنا أيضا أسمعُك". أهمس ما أودّ أن أصيح في وجه الرجل المألوف. لكنّه لا يسمعني، لا أحد يسمعني عادةً، لأنّني لم أتكلم ولا لمرّة واحدة، بصوت عال كفاية. تمعنتُ كثيرا في حديثِ الرّجل. ماذا يعني أن يتجرّد الإنسان من دوافعِه الأولى؟ كيف حثّ نفسه على الاستمرار ونجا من هذا العطب؟ هل يشعر الرجل المألوف بالنّدم؟ لكن، ملامحه تبدو ساخرة جدا، وهذا ينمّ عن تبلّد من نوعٍ ما، ربما هو لم يعالج عطبه بل اعتادَ عليه. هل هذا ما سأصبح عليه يوما ما؟ لا أريد أن أكون مثل هذا الرّجل. لا أريد أن أجد الرّاحة بالتحدث مع الغرباء، أنا التي أحتاجُ ملجأ دائما. وأفكّر في صديقتي. أعلم أنّ للحزن أسبابٌ عديدة، وقد يبدو مثلا، حزن طفل تقطعت أحشاؤه إثر أعمالٍ إرهابية أعظم من حزن طفل صغير يبكي لأن أباه لم يشترِ لهُ نفس الدمية التي يملكها ابن الجيران. لكنني اخترتُ منذ زمنٍ بعيد، احترام الحزن مهما كانت أسبابه. والحزن الذي أشعرُ بهِ بسبب صديقتي عظيمٌ جدًّا. والمؤلم حقا، أنني لم أطلب منها التوقف، واكتفيتُ بالمشاهدة من بعيد. ولهذا السبب، أنا عاجزةٌ عن احترام حزني. ولم يحترمه غيري في طبيعة الحال. أنا أيضا، ساهمتُ في تكوين الخراب داخلي. ربما كنتُ سأبكي بين يديها، وأشكو إليها ما فعلته بي، ربما كنّا سنعدّ النجوم معا، وننتظر شروق الشّمس بينما نتعايش مع كل ما هو جديد في صداقتنا. أو سأدعها ترحل بعيدا عنّي، بعد أن وضّحت الأمور. لكنني لم أفعل. كما لم أخبر الشخص الذي أحب أني أحبه. وهذا ليس جُبنا. أنا فقط لم أجد سببا لأفعل. ربمّا عليّ التّوقفُ عن البحث عن الأسباب، وتعلّم خوض الحياةِ كما هي. قبلَ فواتِ الأوان، أنا أملك حق الاختيار الآن، لكن لن أملكه طويلا.. ما الذي أفكر به؟ بدأتُ أشعرُ بالدوار، وهذا عندما توقفت الحافلة، ونزل الرجل المألوف عنها... رغبتي في تذكّر سبب ألفة هذا الرّجل كبيرة للغاية، كبيرة لدرجة أنّني أندفعُ خلفه قبل أن أدرك ذلك. ركضتُ كثيرا، ركضتُ ولم أصل. لم أجده في أي مكان، كنت ألتقطُ أنفاسي بصعوبة، أذكر أن بعضا من دموعي انسكبت، لا أعلم لماذا لكنني شعرت بها حارة وسريعة. أردتُ الإنصات إلى حديثه أكثر، أن أعرفَ من هو. وددتُ أن أخوض معه حديثا، علّني أغيّر فيه، كما غيّر منّي. ربمّا أنا لن أرى هذا الرّجل مرة أخرى. لكنّ الصّدفة التي جمعتنا اليوم، لن أنساها ما حييت. سأحرصُ على تقدير ما أملك الآن، وسأرضى بالسعادة اللحظية، وسأتوقف عن انتظار شيء عظيم ليحدث. أشعرُ كما لو أنّ الحياة احتضنتني مجددا. وكأنني للمرة الأولى منذ عقود، أكون جزءا لا يتجزأ من هذا الكون. ربمّا الحياة لن تعطيني فرصة أخرى في معرفة هوية الرجل، لكن لا يهم. في قلبي، سأكون دائما ممتنة على وجوده. لا أعلمُ أين أنا، لكنني سعيدة بالسيّر دون وجهة. وأفكّر في الخيارات التّي عليّ التّصرف حيالها ومواجهتها. وأذكرُ آخر حديث جرى بيني وبين صديقي، حينما شكا لي حزنه ولم أبذل جهدا لأعبّر له عن مدى تعاطفي معه. أفكّر في كل العواطف التّي غمرتني حينها وأحاول صياغتها: قسوة ومرارة الحياة التي تذوقناها رشفة، رشفة، الألم الذي تشعر به في أعلى معدتك، الفراغ الذي يحيطك. الذاكرة التي تقوم بواجبها على أكمل وجه، التفاصيل يا صديقي. لا أعلم إن كان باستطاعتي الوقوف بجانبك والتربيت على كتفك لأخلصه من عبء الحياة، وكلمات التعزئة أجمع تعجز عن إرجاع روحك النقية. لا تفقد إيمانك، كم ستبدو الحياة بلا معنى لولا الإيمان؟ لا تكن ضعيفا، ذلك يخيفني. أرجوك لا تدعني أقلق عليك. أرسلها له، وأغلق هاتفي. اليوم، أنا مستعدةٌ لخوض التّجارب. وأشعر بابتسامتي صادقة ونقية. واليوم أيضا، أعي جيدا، أنّ استرجاع الحياة يكمنُ في تقدير التّفاصيل الصّغيرة، التي تجعل كلٌ منا مختلفا.

تصويت

676

رقم:43215