على سور تانيا




















تعبت عيناي من البحث عنك في غياهب الزمن ،كنا هنا قبل وقت تذكر حينما التقينا في ربيع عينيك ، حين كان الوقت عاصفا بالنسبة لي حينما كنت أعيش في التعاسة بذاتها ،حينما فقدت بصري بسبب ضيف لا أحد يرغب به .
تذكر يا لورنس تذكر كيف كنت المنقذ لتانيا على ذلك السور ، كيف كنت أملا أحيا به في تلك الظلمة ، كيف كنت تخف عشقا بقلبك وكنت اسمعه بنبرة صوتك كلحن عزف على اوتار الكمان ، حقا لم أكن لأرى لمعان عينيك لكنني في تلك الظلمة كنت اتخيلها جيدا ، كانت كنبراس في ظلمتي،كمشعل أمل يخبرني بأن الفرح ما زال ينتظر ليقرع باب قلبي من جديد ، لورنس فارسي وبطلي صديقي ومنقذي أتذكر كل الاحداث التي جمعتنا معا ..

ذاك الشتاء القارس حينما قررنا بلحظة جنونيه أن نسير معا في لحظة كان كل البشر من حولنا يهربون من المطر أو لربما هم اردوا أن نمتلك نحن المطر !
أن يسجل بقطراته حبا ناشئا ...أذكر حينما تلذذنا بغزل البنات كنا كالأطفال... كالمجانين.. كالعشاق .
لا أعلم كيف يمكنني أن أدون لحظات فرحي بأسوءِ أوقات في حياتي كيف للحزن و السعادة والشغف أن يجتمعا معا ،أيمكن للأضداد ان تجتمع معاً ، كيف هذا حدث وكيف تحولت تلك اللحظة التي قررت فيها أن اموت للحظة حولت حياتي لحياة لا تشبه شيئاً سوى الجنة!

كنت اعزف على مفاتيح السعادة كما هي عادتي، حينما شعرت بظلام اوقف مرور النور الي لبضع دقائق، فصرخت بهلع حتى هرول الي كل من كان في البيت مسرعاً...!
-امي انا لا ار ..كنت ابكي دما في لحظه اسودت هذه الحياه في عيني فشعرت ان الوقت كان طويلا...
استعدت بصري بعد تسع دقائق كانت اسوء دقائق تمر في حياتي كلها ..
ذهبت للمشفى و ُطلب مني الكثير من الفحوصات و الصور و من ثم العودة بعد اسبوع لحين انجازها من المختصين .
عدت قبل الموعد المقرر بثلاث ايام وقد برر الطلب في تقديم الموعد بان الامر عاجل ولا يمكن الانتظار،حينها كانت دقات قلبي تنبض الفاً في الدقيقة.
وعندما وصلت أخبرني طبيباً متعجرفاً بأن في راسي هذا ورم يضغط على العصب البصري أن لم أستأصله إما ان افقد البصر على المدى القريب او اموت في احتمال اخر ، طلب مني ان اتعلم طريقه بريل للكتابة، قال لي الكثير من الجمل، كان خال من الإنسانية ، أقسى من حجر الصوان ، وأكثر بشاعة من عجوز شمطاء لا تحمل بقلبها سوى الكراهية ، تحقد على الجميع بلا أي مبرر ، تتمنى السوء أن يكون رفيقهم الأزلي الوحيد .



في ذلك اليوم كنت لا اسمع سوى صوته وهو يخبرني أنني للموت أقرب من الحياة،حينها خرجت مسرعة وسرت في جو قارسٍ وقاصٍ مع أننا في منتصف الربيع ،ذهبت حيث اخذتني قدماي حيث صديقي الوحيد .
ذهبت حيث سور البحيرة المسحورة حيث كنت أذهب بالعادة حينما يهاجم الياس قلبي ، ذاك السور لطالما شهد لي الكثير من الذكريات حفرت بلبناته وهو صديقي الوحيد .
هذه البحيرة تتغير الوانها على مدار اليوم باختلاف زاويه سقوط الشمس؛ لذلك فالكثير من الناس يأتون اليها ويرمون بآمالهم فيها ..يرسمون لوحة احلامهم في مخيلتهم اولا ومن ثم يغلفونها بكل الآمال الموجودة في قلوبهم ورغبتهم بولادتها و رؤيتها للنور و يحملونها عبء خيباتهم و انكساراتهم خوفهم وهمومهم على اسوارها علها تغادر حياتهم . فهم يعتقدون انها ستبدل آلامهم و ستأخذها محولةً اياها الى افراح.

لكنني في تلك اللحظة ذهبت لألقي بكل حياتي هناك ذهبت لأنهي حياتي أمام تلك البحيرة فما فائدة الانتظار والموت هو الحقيقة الوحيدة وهو الشيء الأكثر إلاماً في الحياة!! وما الفرق بين الموت الجسدي و موت الروح كلاهما سواء ففقدان البصر بالنسبة لي موت من نوع اخر !




عندها لم أشعر سوى بيدين أمسكتاني بقوة وشدتاني إلى أعلى كأنه الأمل الوحيد القادم من بطن تلك البحيرة ليعيد لي الأمل مجددا في هذه الحياة ..كان انت لورانس أذكر صوتك
-ماذا تفعلين أيتها الجميلة اجننت!
_ارجوك اترك يدي ..انا لا اريد سوى ان احيا بسلام! ولكن حتى هذا اصبح مستحيلا الان
كنت اصرخ و ابكي بطريقة هيستيريا فما الفائدة من روح ميته على كل الاحوال !
نجحت اخيرا في ان اكف عن الفكرة،بعد محاولاتك المتعددة لكن كيف اقنعتني ..الى الان لا اعلم كيف!
بعدها اوصلتني إلى البيت ومن ثم ذهبت لأتأمل غرفتي ..البيانو ...كتبي ...كل شيء ...أذكر أنني لم انم فلربما سأستيقظ غدا لأرى أيا منها أو لربما سأكون قد غادرت الحياة !
أذكر أيضا حوارك مع والدي
ماذا حدث ؟ ومن انت؟ وما بها تانيا ؟ أسئلة كثيرة طرحها والدي عليك في ثانيه واحده لكنك لم تكن لتملك أي إجابة وافيه لكل تلك التساؤلات !
عرفت بنفسك ورويت ما حدث عند البحيرة وغادرت ...قلت لي بأن اسمي لم يغب عن بالك ابدا وأنك قد أطلت البقاء أمام بيتنا وكنت تذهب كل يوم إلى البحيرة ..
عندما علم والداي بأمر ذاك الطبيب المتعجرف قررنا أن نجوب كل البلاد للبحث عن علاج مناسب لكن الإجماع كان لابد من استئصال الورم بالسرعة الممكنة ...
مرة أخرى عدت إلى مكاني المفضل لأجدك هناك وحينما اخبرتك بكل القصة شعرت حينها انك تألمت كما أتألم عندها أخبرتني أن والدتك قد رحلت عن هذه الحياة بهذا المرض اللعين ...
لا أعلم لماذا شعرت وكأنك صديق طفولتي وكان هناك شيئا ما يجمعنا معا ... في ذلك اليوم كنت قد منحتني قليلا من الامل ...تناولنا المثلجات معا واوصلتني للبيت ...لا أخف عليك كنت فرحة جدا كريشه عصفور ملون تنتقل من نسمه إلى أخرى وعلى أنغام موسيقى القمر ..حتى والدي قد استغربا كيف تبدل حالي هكذا ...صعدت غرفتي وعزفت حتى نسيت نفسي بين أحضان السلم الموسيقي ...!
أذكر جيدا كيف انك لم تغب عني في الأسوء اقصد حينما استيقظت ذات مرة وكنت لا أرى سوى الظلام ...الظلام فقط ...نعم لقد ضغطت هذه الكتلة على العصب البصري وافقدتني كل شيء...إلا أنت ♡



-مرة أخرى أخبركم بأن الجراحة لابد أن تكون خلال شهر من الان لا ينبغي أن ننتظر أكثر من هذا قد اضعنا الوقت هباء..
-حسنا وما نسبه نجاح هذه العملية ما مقدار الضرر الذي يمكن أن يكون ناتجا؟
-ستون بالمئة ولكن لا شيء مؤكد
- أسأشفى ..سأستعيد بصري ..أسعود لأن اعزف لأن أحيا ..ان أكمل حياتي كما كانت ؟
-بنيتي لا شيء مؤكد المؤكد هو اذا اردت ان تكملي حياتك كما كنت ستفعلين..
خرجنا نحن الثلاثة من مكتب الطبيب انا وانت وأبي ...كان قلب ابي متسارع الدقات كنت أسمع الدموع في صوته ...كان يحاول أن يكون قويا وكله أمل ولكن خوفه كان أكبر من هذا كله كيف لا يكون هكذا وهو لربما سيفقد ابنته الوحيدة في وقت قريب ..كانت يداي ترتجفان وقلبي يكاد ينفطر فأنا كل ما أعرفه عن هذا المرض أن الموت هو النهاية الوحيدة له ...صديقتي تلك التي غادرت ورحلت بورم أصاب كبدها وقال الأطباء أنها ستكون بخير رحلت ، وامك يا لورانس أيضا رحلت كيف لي اذن أن انجو انا !


كل الأفكار السوداء تلك قد أوقفت حينما أمسكت يدي
وقلت :حقا انك فتاه مجنونه ...أين سافرت بعقلك وتركتني هنا ؟
_انا هنا غارقه بالمجهول!
_قليل من الامل لا يضر وقليل من الياس قاتل !
_انا حالياً لا أفكر سوى بال
_أريد منك الا تفكري بالموت ، ما زال لديك الكثير والكثير لتفعليه ..
-أرجوك سأتقبل الحقيقة مهما كانت ..انا لا ابتاع وهما زائفاًّ و املا كاذباً!
- انا لست من أولئك الذين يبيعون الكلام ..تانيا انا لا اريد ان افقدك ولا أن اصارع هذه الحياة وحدي ..فقلبي محملاً بما يكفي ولا أريد المزيد ...تانيا انت بالنسبةِ لي ذاك المستقبل المشرق ..انت كل ما هو جميل ...لا أستطيع أن أكمل دونك!

-لا تبدأ برسم حدودك اعتمادا على حدودي .. حياتك لا تعتمد علي ابداً.. فأنت مهندس ماهر ولديك مشاريعك وروحك ما تزال حبلى بالأحلام ، لابد لك وان تحققها ..فكيف لك ان تربط حياتك بامرأةٍ ميته !
-اصمتِ...لا أريد أن أسمع منك هذا ..اخبريني بربك كيف تتحدين مع الموسيقى مع الكلمات وانت بهذا البؤس ..كيف تصلين الى سمو الشعور وانت هكذا ،هذا الكون برمته ينبض املاً على الرغم من كل الظروف القاسية ،أمررت يوماً بجانب تلك الشجرة في فصل الخريف كيف كانت قاحله وها هي اليوم بأبهى صورها ،انظري من حولك الحياة مستمرة على الرغم من كل الحروب في العالم والأمراض و الأوبئة و التهجير والقتل لكن ما زال الأمل يولد مع شروق كل شمس، الله أحيانا و تكفل بأمور حياتنا كلها، قد يمتحننا وقد يختبر صبرنا ، قد يضعنا بمواجهة مع أصعب الظروف ليرى كيف نتصرف و نصبر فالصبر امتحان اخر ولا يجتازه الجميع ...و بما انك قوية جدا على ما يبدو ستجتازين هذا الاختبار بجدارة ! ...
في وسط غضبك العارم وهو كان أشبه بعاصفةٍ هوجاء شعرت بأننا قد أصبحنا أكثر قرباً .. فالمصائب تقوي العلاقات ولا تضعفها خفتُ عليكَ من غَضَبِكَ!
- حسنا لورانس اعدك أنني سأكون أقوى وسأنتصر على هذا المرض ؛مع أنني لم أكن واثقه بهذا الوعد فكيف لك ان تثق فيه ...
ولأصلح الوضع قليلا طلبت منك أن تصف لي ما ترى فأنت أصبحت الآن بصري وأصبحت بدونك لا شيء .
- السماء زرقاء وهناك غيمه تشبه القلب الصافي ولربما هو قلبك ، ويسير بجانبنا رجل يحدق بنا .
وهذا حسون يغني لنا ،اتسمعين!
- اسمعه جيدا فقط تابع وقبل أن تكمل قاطعتك لأخبرك بأن رائحة الخبز شهيةٌ جداً فقلت لي انت إذن جائعه الان .
-لا يا صديقي لستُ جائعه ولكن رائحة الخبز الفرنسي شهيه
وبدأت تحدثني عن مغامراتك في باريس ولماذا سميت مدينه العشاق وعن ذاك الجسر الذي يعلقون عليه امانيهم بأقفال! ..كيف انها ذات سحرٍ خاص.. موسيقى خاصه وذوق خاص! .ومن حديثك المشوق سافرت مع صوت طفل يبيع الورد وهو يتمم بدعوات لتبتاع منه ورداً كيف اقنعك لتهديني إياها ما زالت وردتك في غرفتي. كان يوما مميزاً!

بين ريتا وعيوني بندقية
والذي يعرف ريتا
ينحني و يصلي لإله في العيون العسلية
كان صوت مارسيل يتسلل إلى غرفتي دون اذن وقرع باب السعادة الذي اغلق في قلبي من نحو شهر!
هيا يا تانيا ها هو الأمل يقرع بابك من جديد هلا وفتحت له ؟
لورانس ! يا لك من مجنون
استيقظت بفرح غامر داعب نبضات قلبي منذ الصباح، و نهضت من سريري وتلمست الأشياء.
-صباح الفرح والحب عزيزتي .
صباح مارسيل-كيف عرفت انها من أكثر اغاني مرسيل حبا لقلبي ؟
-هي اغنيتي المفضلة أيضا فكل شيء غناه مرسيل وكتبه درويش كان مثيرا وجميلا
-ثنائي جميل...أين سنذهب؟
_ إلى الشمس ..
_يا لك من مخادع إننا في الصباح ..والشمس ما زالت تشعل مواقد الأمل في كل من يصادفها!
-اليوم ينبغي أن تجري بعض الفحوصات المخبرية فبعد أيام سنودع هذا الضيف إلى الأبد
-أن شاء الله ...سأودعه حتماً
وصلنا إلى المستشفى واجرينا بعض الفحوصات والصور الشعاعية .
وفي طريق العودة كان بيتهوفن هو المسيطر كيف الف سيمفونيته التاسعة وهو أصم كيف قلب موازين الموسيقى ..حوار شيق لا يكون سوى بين مجانين اثنين هربوا من مكان ما !

في خضم كل هذه الأحداث نسيت أن في مثل هذا اليوم قد ولدت انا هو الرابع والعشرون من تموز سأكبر عاما وبدأت هذه السنه بيوم ليس سيء ،انا نسيته ؛لكنك لم تنسه ابداً!
مفاجأة مذهله انستنِ المرض كانت هكذا بداية الحفلة لكنها انتهت ...لا يمكنني أن أقول نهاية مأساوية.. ولا هي نهاية جميلة لا أعرف كيف اصفها !
في وسط الفرح والهدايا والورود ، بين أحضان الزنبق والبيلسان وبعد أن انتهيت من عزف مقطوعة موسيقية في ظل هذا النور الخافت الذي ساعدني كي اعزف انين الأمل على سور قلبي ، في وسط هذا الحبور كله ، حدث شيء لم أكن لأرغب بأن يحدث أو لربما رغب القدر بأن يجمع قلبينا سويا ..!
-أبدعت تانيا
-شكرا لك لورانس على كل ما فعلته من اجلي وعلى وقوفك معي في محنتي. .
-تانيا ....أحبك
عندها توقف الزمن برهه ، صمت كل شيء في هذا العالم ، توقف قلبي عن النبض لحظة و تسارعت دقات قلبك ...
-لا ..لا لورانس لا يمكن لهذا أن يحدث ... كيف لك ان تحب فتاة ميته ..هي أقرب للموت من الحياة !
-من سيموت هو انا أن استمريت هكذا!
-لا لورانس أنس الأمر ..ادفنِ في مقبرة العشاق ..او اتركني منسيةً على رف النسيان .ألقني في مكان بعيد من هنا ..لا تأتي مرة اخرى الى باب ذكرياتك المؤلمة ..لا تأتي إلى حتفك الأخير ...إلى مثواك الأخير دعني ارقد بسلام في مقبرتي ..ارجوك!
-كفى ...هل يركن الحب فوق رف النسيان ذاك المليء بالغبار والأتربة ! ومن قال إن للعشق مقبرة فمن لم يذق وجع الحب لم يكن للحب بقلبه مكان ..عن أي كلام فارغ تتحدثين .. تانيا بربك كوني متفائلة ولو قليلا ..كيف لعازفة مثلك ينبغي أن تشع إحساساً وتفائلاً لم تشعر بولادة حب جديد ..أليس الكتاب والموسيقيين وكل أولئك الذين يكتبون عن الحب يشعون إحساساً كيف لا يشعرون بحب يولد بقربهم!
-بربك لورانس كيف لذكي مثلك مثقف ان يقع في حب مات قبل أن يرى النور ..قبل أن يتنفس الحياة ! أرجوك ارحل من هنا واتركني مع خيباتي قليلا
- سأذهب ولكن قبل أن ارحل أريد منك أن تودعي خيباتك وتطلقي لقلبك عنان الحياة .
يومها أنشأت بقلبي صراع جديد هو أجمل من صراع المرض ولكنه أكثر الما منه ، ألم أشعر بك منذ البداية ؟ كيف لم أفعل !
اعتذرت من الجميع لن أستطيع أن أكمل الحفل وانا بهذه الحال ..تركتني اصارع نفسي بين ما أريد وما أخاف ..حقا أولئك الكتاب كيف لا يشعرون بقصه حب تنشأ باتجاه مسارهم ..لا يا لورانس انا كنت اصارع جاذبية الحب ..كنت اصارع ما يبثه قلبك ..لكن الكارثة قد وقعت ..الحب لا يكون إلا بتشريع قلبينا ، انا ايضا شريكه بهذه الجريمة ، أخاف أن أقول لك بأن الحب هاجم قلبي بلا استئذان كيف حدث هذا ومتى لا إجابة لدي فهو الحب الذي تكلم عنه كبار الكتاب والشعراء ..هو أسمى شعور إنساني في هذا الوجود ..ماذا لو مت كيف ستكون حالك.. أخاف أن تدفن عمرك الباقي مع رفاتي في القبر ...ستموت مرتين مرة أكون فيها قد اغتلت الحياة من قلبك ومرة سيغتالني هذا الحب باكرا ..
لم انم تلك الليلة حتى بزوخ الفجر ...لكنني لم أقوى على النهوض في الصباح بعد ليلة الأمس لا يمكن له أن يأتي ويسقيني جرعه الحياة من جديد ...كيف لي أن اعتاد غيابك !
لكن ما حدث هو العكس أتى باكرا وجلس مع والدي واخبرهما كل القصة ..أذكر يا لورانس انك قلت لي ذات مرة ان دماغك أقصى من الصوان ...إن أردت شيئاً فلا أحد يستطيع أن يوقفك ! لكن لن اسمح لك هذه المرة أن تحقق ما تريد ...لذلك تظاهرت بالنوم والتعب حتى لا أراك كان الأمر صعبا جدا ، كان كل ما في يناديك !
-تانيا متعبه وهي نائمه الآن
-هي لست متعبه انا أعرفها جيدا ..
لا تريد أن تراني تريد أن تنهي القصة فحسب وانا لن اتخلى عنها ابدا ..!
حسنا سأعود مساءا!
كنت سعيدة جدا برده فعلك أكثر من مفاجئتك بيوم مولدي !
أتى المساء ولكنك لم تأتِ...ربما لتترك لي حريه الاختيار ..ربما لأحسم هذا الصراع بين قلبي و عقلي ، سأكون من المرائيين أن قلت أني لم افتقد طعم الحياة معك ولم افتقد جنونك في كل المواقف ..آرائك ونقاشاتك .. حوار المثقفين أو المجانين هكذا اتفقنا أن نسميه .
قررت أن أكتب لك رساله وان ترسل لك في يوم وفاتي ..لربما ستقتبس لي عذرا من بين كتبك وأغانيك ، ومن ذلك العالم المثالي الافتراضي الذي كنا نرسمه معا ..
تذكر يا لورانس اول لقائنا في أول مرة التقينا كان لدي إحساس غريب نحوك ..قبل ذلك اليوم المشؤوم كنا قد التقينا عده مرات وتبادلنا أطراف الحديث ...
ما قلته اننا نكمل بعضنا البعض حتى بمعنى الاسم فتانيا الملكة السعيدة ولورانس التاج المصنوع من الغار..إذن انا الملكة ولا ملكه بلا تاج ...!
كانت من أسوء الليالي التي مضت ...
لكن أين تلك الصفة الملازمة لاسمي كيف اكون سعيدة وانا لا استطيع ان اقدم قلبي قربانا في معبد حبك ...أجل قد اشتقت لك وانا في كل يوم أحبك أكثر ..اتسامر مع ذكرياتنا واتبادل معها طول الليل البارد ...!
هل ستأتي ؟وكيف سيكون الغد أن لم تأت؟...هذا اليوم كان يعادل سنه على كوكب نبتون !
كيف منحت لنفسك الحق بأن لا تأت ..مر أسبوعان كانا الأطول في حياتي كلها...كنت كطفل فقد لعبته الجميلة ؛فقد فرحه وشغفه ..اشتقت لك!
غدا سأذهب إلى المستشفى كي أجرى عملية لاستئصال هذا الورم هل ستأتي، هذا السؤال الذي سألته لنفسي مررا ولا اجابه شافية لدي لأنها مخبئه في قلبك أنت !
عندما سأخرج من غرفة العمليات سأصرخ في الفضاء انك حبيب عمري الوحيد صدقني يا لورانس كم أتمنى أن أفعل ذلك ..كم أتمنى ان ترى ريتا النور!


اليوم لابد لي وان اذهب إلى المشفى ؛ لكن سيأتي لورانس ...لابد أن يأتي قلبي لا يكذب ابدا ...سيأتي أجل سيأتي ..
أمي هل هنالك أحد قدم هذا الصباح لزيارتي؟
تقصدين لورانس؟
لا يا أمي
لا لم يأت أحد ...
حينها كسا قلبي حزن من نوع غريب ...لماذا لم يأت ؟ أريد أن أسمع صوته ولو للمرة الأخيرة ؟ كيف أقسم بأن قلبه ملكا لي وهو لم يرني من ثلاث سنين أو يزيد ...اليوم كالسنةِ بدونه !
هل أنت جاهزة يا تانيا ؟
نعم ..هيا بنا
كانت غرفتي أجمل الغرف ..فرائحه الياسمين تنبعث منها كما لو أنني أسير بشوارع دمشق !
وأنغام عبد الحليم تسمع في كل أرجاء المستشفى كما لو أنها أصبحت بالقاهرة ! ..اشتقت لهذه الحياة التي تضج بالجنون ! لم أستطع أن امنع قلبي من أن يرددها ولم ينتصر عقلي هذه المرة ...اشتقت لك
باغتني وقد وضعت خاتما جميلا في بنصري لتهمس في أذني زفافنا سيكون بعد تخلصنا من أوهامك ..
وهربت من بين ضلوعي ..احبك جدا !
لمعان عينيك عندها كان كذلك الانعكاس الذي تتركه الشمس على البحيرة ..وانا نسيت مرضي معك انت ...حتى تلك العصافير التي تشدو بجانب النافذة كانت سعيدة ...الياسمين وتلك الاغاني كانت لنا ..امتلكت الكون كله في هذه اللحظة !
خضعت مجددا لفحوصات نهائية فبعد ساعات لربما سأودع الحياة ، بعد ساعات لربما سيبيت هذا الفتى حزين ، أتمنى أن تنتهي هذه الجراحة بسلام وان أعود كما كنت أبصر النور و أعود للعزف وان نتحد معا ..
-صباح الخير انستي الصغيرة ؟ كيف حالك اليوم ؟
-الحمد لله ...لكن متى ستجري الجراحة وسأتخلص من هذا الحمل الثقيل داخل راسي ؟
-بعد نصف ساعه من الآن .
ودعتكم جميعاً كأنها الأخيرة ..أمي وأبي ولورانس والورود وكل شيء كان في غرفتي ..
-تانيا تمسكي بالحياة من اجلي ارجوكِ قلتها وعيناك قد اغرورقت بالدموع ...
أخبرتني بعدها انها كانت أطول عشر ساعات قضيتها أمام غرفة العمليات .. لكنني أخبرتك بعين شامته بعدها كيف استطعت أن تبتعد ما يقارب الاسبوعين متواصلة إذن ؟
فأجبتني ساخرا :من قال انني قد ابتعدت كنت انتي تغطين بنوم عميق داخل قلبي وانا أيضا كنت اتسلل رويدا الى قلبك...
واردفت قائلا أنني كنت اهذي باسمك طوال الوقت وكنت تقولها بفخر المنتصر !
قد تسلل الضجر لأعماق روحي وانا مقيمه في هذه المشفى.. لكنني الآن أكثر ضجرا بدونك يا لورانس ....!
خرجت من المشفى انطلقنا للحياة سويا ...كان كل شيء على ما يرام ...تحضيرات الزفاف والبيت وكل شيء كان جميلا جدا بل كان رائعا .. سعادتي الآن هي لا تضاهي شيء في هذا الوجود ...البيانو وانت وكل من أحبهم كانوا معي وسنسافر سوية بعد أيام إلى مدينه العشاق تلك المدينة الساحرة والهادئة ...

بعد عام واحد اتت ريتا ابنتنا و أصبح هذا الكون ضيقا لا يحوي سعادتنا ..
ريتا كانت وستبقى ابنتنا المدللة ..تسألني دائما عنك فاخبرها انك في نوم عميق وستستفيق يوما ما ...
سنخبرها كيف جمعنا سور وهمي في بحيرة سحرية في أقصى الظروف وأسواها وها هي تعود مجددا لكن هذه المرة انت هدفها يا لورانس ...!
تواعدنا أن نلتقي سويا في مقهى البحيرة حيث كنا نلتقي ..فاليوم هو22مارس حيث التقينا اول مرة في الساعة الثالثة ..
اتصلت بك بالهاتف مره ومرتين وثلاث لكنك لم تجب وفجأة تلألئ اسمك على هاتفي ...كنت غاضبه جدا منك ..
-لورانس كيف
-السيد لورانس قد تعرض لحادث وهو الان في المشفى الوطني وحالته سيئة ...
-لورانس كيف حدث هذا !
اسرعت إلى المشفى ولا أعلم كيف وصلت إلى هناك ...وجدتك في غرفه صغيرة تصارع الموت وحيدا ...كنت أنادي باسمك لورانس أرجوك لا تتركني انا وريتا بحاجتك ...ريتا مازالت صغيرة ...كان قلبي يبكي ،كيف لا ورفيقه غائب عن هذه الحياة حينما تفيق سأوسعك ضربا ، هيا يا مهجه القلب ويا كل أنفاسي ..يا نبض عمري ...تذكر حينما كنت سأموت قلت انك لا تستطيع أن تحيا بدوني ..فكيف سأفعل انا بدونك ...يكفيك دلعا و لعبا بأعصابي انا وريتا ...ريتا تلك المسكينة لم تعش معك سوى عامين ...من سيخبرها عن شكسبير وعن درويش و مرسيل وبيتهوفن ..من سيخبر تلك الطفلة بقصه البحيرة والسور والمقهى ولم أطلقنا عليها اسم ريتا وحكايته معنا من سيوصلها إلى مدرستها بعد بضعة أعوام ...هيا انهض ما زال لدينا الكثير لكي نقوم به...لابد وأن تشاركنا ريتا لحظات الجنون ...!
أنا اموت في كل لحظة تغيب بها عن الوعي ..في كل لحظة أعتقد أنك ستفارقني وسأكمل وحيدة ...
سيدتي ..السيد لورانس على هذه الحال منذ ما يقارب الشهر ولا يطرأ أي تحسن على حالته ..
صمت الطبيب للحظة طويلة وكأنه سيخبرني بما لا أريد سماعه ..لذلك لابد أن ..تنزع الأجهزة عنه ..لا أمل من استيقاظه من غيبوبته هذه !
ماذا تقول وكيف تقول ذلك لا يمكن للورانس أن يموت .... لا يمكنه ذلك
-تستطيعين الدخول لرؤيته آخر مرة وهو في غرفه العناية المشددة ..
أسير بخطوات مثقلة و متعبه ...أشعر ويكانني أسير إلى مثواي الأخير .
لورانس قلبي يكاد يتوقف ولا أقوى على المسير أن مت فخذ روحي رفيقه لك ...
لورانس أرجوك أيها الأبله واتوسل إليك لا تتركني وحدي فأنا لن أقوى على الحياة بدونك ...
ريتا ابنتنا هي هنا ...قد اشتاقت لك ...كي تتوسد ذراعيك ...كيف ستحرمها منك وكيف ستحرمني الحياة بدونك ...كيف .. بربك كيف ...!

تانيا ...أيتها المجنونة ... لا يمكن لي أن ادفنك معي وان تعيشي في ذكرياتي فقط! سأكون معك دائماً!
لقد عاد المجنون من جديد..!

تصويت

310

رقم:43227