وحدها الطيور من تحس بي

أتذكر الطائرة الورقية التي صَنَعَتها لي أمّي بينما كنتُ في الصف الأول، قالت لي: يا محمد، حينما ننتهي من صناعتها ستطير عالياً، هذه الطائرة لا تحب أن تمس أجنحتها الأرض، إنّها تحب الإحساس بالهواء إلى أبعد حد .. جرّب أن تحس بشعورها.
حاولتُ أن أجرّب آنذاك لكنني لم أستطع، كنتُ أستمتع بلف خيطانها على إصبعيّ، وجعلها تطير في الهواء عالياً ..
في أول مرّة وقفتُ فيها على مقربة من الحدود الشرقية لقطاع غزّة، كانت هنالك بيّارة كبيرة من الزيتون والبرتقال والتين، قال لي ابن عمّي يومها: هذا المكان الوحيد الذي حين أقفُ فيهِ لا أحسُّ بقدمَيّ، فالطبيعة هنا مُلْهِمَة، وتجعلك تحس كأن قدميك معلقتان في الهواء!
لم أفهم عليه جيداً، فابن عمّي ذاك كان روائياً غامضاً، يحب الميتافيزيقيا والنظر وراء الأشياء، وأنا كنتُ أحبّ نظارتي التي أكتفي بها بإيضاح مسائل الرياضيات الجميلة التي كنت أحب فكَّ ألغازها ..

بينما كنتُ في الإعدادية، طرق المدير فجأة باب صفّنا، وبدأ يعطينا درساً طويلاً عن احترام الإنسان، وضرورة التكافل، والتعاطف فيما بيننا، ثم قال لنا: فلترحبوا بزميلكم الجديد في الصف حسن. وجّهَ نظرهُ إلى الباب، وقال: أدخلْ يا حسن ..
لم أرَ قدمين تدخلان من الباب، بل عجلتان كبيرتان تقتربان، وقدمان معلقتان في الهواء، ابتسم حسن لنا ابتسامةً خجولة، لأنّه يقف أمامنا للمرة الأولى، بينما نحن كنّا ننظر بانبهار إلى الكرسي ذي العجلات، وقدميه المعلقتين ..
قال المدير: حسن متفوق، أريدكم أن تهتموا به، وتحرصوا على مساعدته إن احتاج لها ..
لم أرَ حسن منذُ أيام المدرسة، لكنّه كان طالباً مهذباً وذكياً وكنت أحب فلسفته حين يبدأ بالحديث، لم أتكلم معه كثيراً، لكنّه قال لي مرّةً عبارة "وحدها الطيور من تستطيع الإحساس بي" ..

لقد مرّت السنوات الطويلة، دخلتُ الجامعة ودرست الحاسوب، وآخر ما حصلتُ عليه رخصة السياقة، ما زال مدرّبي يقول لي: اضغط يا محمد بشكلٍ أقوى على الفرامل، استعمل قدمك اليُمنى بشكلٍ أفضل، كلّما حققتَ التوازن بين قدميك عبر الفرامل وبين يديك عبر عجلة القيادة، كنتَ سائقاً أكثر براعة.
قبل أسبوع من الآن صعدتُ أنا وصديقي لعبة كبيرة تُسمّى الديسكفري، أجمل ما في هذه اللعبة أنني لم أكن أحس بنفسي، كنت أراقب طيران قدميّ، كنتُ أحس بالهواء الذي أخبرتني عنه أمّي حينما كنتُ في الصف الأول، حتّى أننّي حين أخبرتها بذلك ابتسمت طويلاً، وقالت لي: مِن الجيد أنّك لا تنسى.

بدأت أحاول فتح عيناي المغمضتين بشكل أكبر، صوت قطرات المحلول يرتفع بشكلٍ أكبر، رأيت الطبيب يقترب منّي، و أنا لا أتذكر سوى رائحة الغبار الثقيل، حينما قصفوا منزلي، وصوت شقيقتي قبل بثوانٍ حين قالت: لا أريد الموت!
"صباح الخير يا محمد" يقول لي الطبيب،
"صباح الخير" أردّ بصوتٍ ضعيف ..
يحرك علبة المحلول، يقوم بتغطية قدميَّ بشكل أفضل، فأسأله:
دكتور لماذا لا أستطيع الإحساس بقدمَيّ؟
يجيبني: لا بأس يا محمد، هذا من فعل التخدير.
أقول: لكنني أستطيع أن أحس بالهواء يعبر قدميّ بشكلٍ كبير، وأنا لا أقوم بتطيير طائرة ورقية الآن، ولا أقف مع ابن عمّي الروائي في إحدى بيارات البرتقال، إنني أستطيع الإحساس بالهواء أكثر من أي وقتٍ مضى ..
فيصمت فجأة، وأقول: دكتور لماذا تصمت هكذا؟
أعتذر منك يا محمد، لكنك فقدت قدميك إثر القصف الإسرائيلي الأخير لمنزلك.
لم أستطع أن أرد عليه ..
صمتُّ طويلاً وأغمضت عينيّ، كان صوت قطرات المحلول المتعاقبة يرتفع أكثر، تذكرت تنويهات مدرب السياقة بأن أضغط بقدمي بشكل أفضل على الفرامل، وتذكرت آخر مرّة جريت بها على الشاطئ مع أصدقائي، حين سبقتهم جميعاً، تذكرت إغراق قدمي بالماء في بركة المطر التي كانت أمام منزلي الشتاء الماضي، كنتُ أستمتع بإحساس الماء الذي يغمر قدميّ، وتذكرت عبارة حسن قبل سنوات "وحدها الطيور من تستطيع الإحساس بي".

*آلاء القطراوي

تصويت

74

رقم:43255