تمسك بنفسك تلك

كان السجن يعج بالفوضى كل الاروقة تتزاحم ....زيارات....إجراءات الإفراج ............تحقيقات .
إلا ذلك الرواق كان أشد من الهدوء ... مادا يخفيه ؟
كانت كل الغرف غير مستعملة إلا زنزانة واحدة تلم بثلاثة مجرمين تحرسها امرأة تدعى كين.
كل مجرم من الثلاثة يعيش في عالم لا يراه إلا هو ، حيث كان ثلاثتهم يرفضون الزوار مما جعل من عمل كين مملا نوعا ما .
المجرم الأول شيخ كبير ذو لحية طويلة بيضاء يدعى العم سيمون، اعترف منذ الجلسة الأولى أنه قتل زوجته بتهمة الخيانة حكمه السجن المؤبد، وكان دائما يشعر بفخر لأنه حقق العدالة لنفسه بنفسه.
المجرم الثاني ألفريد الطويل القامة صاحب الأربعين عاما ، سلم نفسه للشرطة بعد قتل شقيقه الخائن حيث نصب على امواله ... كذلك هو لا يشعر بالندم حتى بعد اصدار حكم الإعدام ، و لم يبقى له سوى أسبوع ليعدم.
آدم المجرم الشاب ذو العشرين سنة ، حاول أن يقتل شرطيا لاستخدامه سلطة القانون في بيع المخدرات لأطفال مدينته بحكم سجن عشر سنوات نافذة.
سيمون : أتعلم ألفريد ... البارحة مرت في ذاكرتي صورة شخص أحببته أقل مما ينبغي... ثم أخد يبكي بصمت.
ألفريد : لا تقل لي الآن انك تحن إليها.
آدم : أيها العجوز عندما تأتيك تلك الصورة مجددا أخبرها عن تلك الصورة أيضا و انتهى الأمر لا داعي لتلك الدموع.
سيمون : أيها الشقي عن أي صورة تتحدث.
آدم : تلك التي غيرت كل شيء صورة الخيانة.
ألفريد : أنت على حق آدم لن أشفق عليك سيمون لأن الخيانة تستحق الموت ليس إلا.
سيمون : لو أحببتها أكثر مما أحببتها من القتل لكنت قد أكلت جثتها .
ضحك كل من آدم و ألفريد .
ألفريد : ماذا لو أصبحت حرا مرة أخرى .
سيمون : آه أحتاج ل 5 ساعات حرية فقط.
ألفريد : كيف ؟
سيمون : ساعتان ذهاب إلى بيت ذلك الرجل الذي فضلته عني ، ساعة من اجل قتله ، و ساعتان عودة الى هنا لأعترف بذلك .
آدم : كف أيا العم تكاد تخنقني من الضحك.
سيمون : لكن يا ألفريد أيستحق مبلغ من المال أن تقتل من أجله ... لا أظن ذلك.
تأثر ألفريد بسؤال العم و أخد يصرخ قائلا : لا ....لا ... ليس بسبب المال ، كان لدي 3 اضعاف في حسابي الخاص و لكن محزن جدا أن تطعن في ظهرك لاااااا و من ؟ أخاك الذي كنت تلعب معه .... تدافع عنه .... تنام بجانبه .... تشكو له ألمك... تعطيه ما يريد كأنك أمه ... ثم ماذا يخونك بسهولك ، تبا لتلك الذكريات إنها تقتلني في الدقيقة الف مرة ... ثم هدأ ...أنا حقا أكره نفسي لأني قتلت أخي لكن كان مؤلم جدا في تلك اللحظة.
آدم : يا سادة لدينا وقت كثير هنا لذا فلنغلق هذا الحوار اهدؤوا قليلا.
سيمون : لا يا آدم يجب أن تتعلم أن لا تؤجل الأمور ، كم أظن أن تأجيلك لها و التردد عند الخوف سبب فشلك في قتل الشرطي ،
أنظر النتيجة ..أنت هنا في مكان مظلم و هو يكمل جريمته ... ماذا هل أنقذت أطفالك منه.
عندما تقرر في لحظة يجب أن تنفذ في اللحظة الموالية ... لا تترك فجوة التردد بينهما .
آدم : معك حق اظن أني مجرم في حق هؤلاء الاطفال .
نظر إليه ألفريد بغضب و قال : نعم أنت المجرم الوحيد بيننا في هذه الزنزانة ...
ثم اتجه نحو يهاجمه و أمسك عنقه يخنقه و هو يردد : من واجبنا قتل الجبناء مثلك أيها الخائن ... أطفالي ينتمون لتلك المدينة و هم مهددين بتعاطي المخدرات أيها الابله....
سيمون : توقفوا عن هذا العراك لن يجدي نفعا الآن .
ترك ألفريد آدم ... و أخد هو الآخر يمسك عنقه و يسعل .
آدم : كدت تقتلني أيها المجنون كل ما في الأمر أنه قايضني بحياة طفل لهذا تراجعت
ألفريد : حسنا أيها الغبي سأصدق تفاهتك .
سيمون : اجلسا و لا تكررا الشجار أمامي ... أنا أحب الهدوء.
ألفريد : آسف أيها العم.
آدم : أنا كذلك آسف جدا.
سيمون : لا تتأسفا أنا أفهم المعاناة ... الخيانة كعاصفة رياح تأخذ بما تشتهي التعاسة ، و بعد كل زوبع دوار تفقدنا النوم لأن السماء قد تلوث صفاؤها ، فتلقي علينا بخنجر من عذاب .... يستدعى المطر الذي التقينا فيه لأول مرة فتسللت ذكريات الماضي كقطرة ماء الى كامل الجسد ، حينها حدث انقلاب صحي يصعب عليك فيه أن تشهق هواء لتعيش ميتا بدلا من أن تحيا .
لقد كنت كاتبا يوما ما ، و لكن بحسب الحرية على الانسان أن يفر برأيه إلى القرار رافضا التغيير عازما على الثبات مكتفي بقناعة فكره بغرور ينتسب إلى جيل الفشل في زقاق العاقدين المنتقدين للنقد بذاته .
آدم : هلا تفسر لي ما تقصد إليه .
سيمون : حسنا أنظر آدم إلى هذه الاظافر عندما تقوم ببترها لا يعني أنك تخلصت منها نهائيا ، بل ستأخذ قيلولة فقط ....بمجرد أن تنفع نفسك بأكل جيد ستنفعها هي ايضا و تنمو من جديد ....إنه التغيير المقيد ... أمثالنا هم الندرة الانسانية في زمن كثر فيه جسد الانسان و غاب عنه قلبه .
آدم : أوافقك في هذا .
ألفريد : نعم أيها العم كأن الحياة تمر بنا كفراغ .
سيمون : ألفريد بني كلنا نسير على أرض ملغمة ، فقط ننتظر فرصة من أقدامنا أن تدوس على نهاية مشينة نرحل بها عن حياة ظل منها إلا عشق الموت .
ألفريد : أتعلم لماذا أنا لا أكره وجودي هنا رغم انني أكثر شيء قد كرهته في حياتي هو التقيد ؟ أنا رجل غني عاشق للعمل و التحرك خاصة السفر ، و لكن أنا على يقين أني سأكره وجودي حرا أكثر و أكثر ...
ثم سكت ألفريد و هو مستلقي ينظر إلى السقف بتمعن ، حتى شقت بحبحة سيمون ذلك السكوت : أكمل أنا أستمع ...
إني أيها العم أخشى أن أقابل أمي ، فقد أخذت منها ولدها ، فلذة كبدها ... أنا قتلت جزءا منها ، قد جعلتها تدفن قطعة لحمها بيديها أنا سبب ذرفها لدموع لو اختلطت بمياه البحر لانفجر البحر ألما و لطفت عليه جميع أسماكه خنقا من تلك الدموع الغالية .
آدم : حقا صعب جدا أن تتفهم موقفك ، أعتقد أن كل ما ستقوله لك أكان الأمر سيصل لدرجة القتل .
ألفريد : لقد سبق و قالت هذا يا آدم ، و قالت أيضا أني من يتمت أولاده و انا من رسمت اسم زوجته في قائمة الأرامل و أني من أهنت اسم أبي و أني ليس لي شرفا أن أحمل عرض لقب العائلة وقالت و قالت ....
سيمون : هذا قانون الجريمة و العقاب يا ألفريد . من قوانينه أن يعاقب البريء المجرم مقابل ما يسمونه الحرية ، و إني رغم السنين التي عشتها داخل هذه الزنزانة رقم صفر أشعر أني حر تماما فأنا فكرت ثم قررت و بعدها نفذت ما قررت بعمدنا فكرت.
آدم : أنت يا سيمون أراك تعيش ما عشته أعوام عمري في يوم واحد ، يا حصرة يوم تألمت على ألم لو رآك لابتسم من كآبة رجل عجوز مزال يستطيع أن يقص علينا ألغام حياته المبعثرة بين طفولته و شبابه و شيخوخته.
ألفريد : حقا أنني أتألم للفراق و أموت من الوحدة و أعاني من نظرات الأقربين الحاقدة ... قل لي يا عمي رجاءا كيف تأقلمت ؟ و كيف حملت مظلة التنفس لهذا اليوم ؟ و نمت على وجهك شجرة صبر كهذه ؟.
سيمون : إنه الإيمان يا أولاد .
ألفريد : و كيف ذلك ؟
سيمون : إن الانسان يا بني في يوم ما سيبتعد عن الله ابتعادا تظن أنه لن يربطك به مرة ثانية تغوص في الدنيا راكضا و قلبك يحمل مغناطيس يجذب إليه كل عذر يزين لك به أخطاؤك و تفترض أنت أنك تسير خطئا لأنك مجبورا باسم الظروف و تتماثل الأعذار و يصبح فراغك هو شغلك و فشلك هو نجاحك إلى أن ...
ألفريد : إلى أن ... ماذا ؟
سيمون : تكتشف أن الله يحبك ؟
ألفريد : بعد كل هذا سيحبني الله .... و أخذت عيناه تدمع
سيمون : إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه يا بني ، المهم أن الله تذكره فابتلاه بلاءا أعاده به إليه عودة لا ابتعاد بعدها ، عودة تجعله يتمسك بالحياة ، تملأ فراغه تنعش أحلامه عودة تفرش لنجاحه السجادة الحمراء ... إن الله يا بني ألفريد ما خلقك ليضيعك أبدا فنحن من قد نظلم أنفسنا و نضيعها .
انفجر ألفريد باكيا ، فقد كان كلام سيمون مرآة علاقته بربه ، و كأن شهقة البكاء تلك شهقة ندم ليس إلا .
سيمون : تمسك بنفسك تلك فالتعلم أن خالقنا لا يضع حاجزا أمامك إلا و قد يعلم أنك قادر على تجاوزه لن يكلفك إلا وسعك
أخذ آدم يحك يديه بشكل دائري و أجفانه ترشف بوتيرة متزايدة ، كأن مشاعره قد استفاقت هي أيضا .
ألفريد : إني أخجل أكثر بعد سماعك لهذا ، حقا إن الله يحبني فقد وضعني هنا معك رسالة منه ، و انذارا أستفيق به ، و كأنه يعطيني الفرصة .
سيمون : نعم يا بني إن الله يمد يده إليك لينجيك من غرقك في الدنيا ... عندما تموت سيبني لك الحي قبرك ، ولكن أنت حينها ستكون ملتهيا بما بنيت في دنياك ... و ما يفزعني حقا عبارة " يا ليتني " يا ليتني تمسكت بنفسي تلك .
آدم : هل سيمسك بي حقا بعدما أتمسك بنفسي تلك .
سيمون : أحسن الظن دائما يا آدم ، فقد وعد الخالق أنه لن يخيب من أحسن به ظنا فتلك النفس من صنع يديه ، هي ليست لك بل أمانته ، عليك أن تتمسك بها وتحافظ عليها .
آدم : لن أضيع مرة أخرى حقا ؟
سيمون : أحيانا تقف من أعلى مكان تدور ثلاثة مائة و ستون درجة ، تبحث عن أحد يمسك يدك و يقول لك : لا بأس سيكون كل شي على ما يرام ... لكن لن تجد إلا الله ، لذلك مهما خانتك الظروف لا تنكسر إلا بين يديه ... لا تلقي بعفوية قلبك لغيره.
آدم : آه فعفوية القلوب هذه رسالة لا يجيد كتابتها إلا من اعتفى قلبه من بقايا النظم المخضوع لها ، من خطوات يحن بها إلى الفقدان الذي هو كائن على حبال الموت ، أو بين سموم الترك ، ولما لا تحت مذبحة الخيانة .
سيمون : تماما يا آدم عليك أن تستبدل إذن النظم المخضوع لها بالله وحده .
ألفريد : إننا كالعناوين حقا .
سيمون : نعم لكل منا عنوان عليه انتظاره ، ككل سجين مهما كانت عقوبته ففي فكره انتظار واحد و هو الافراج ، أين يجسد مفهومه للحرية . لكن متى كان للحرية تاريخ و أي تاريخ ... مؤقت بحكم حاكم قد يعدل و قد يظلم ، فنحن من تركنا أنفسنا تلك لغير الله ، و هناك من يحسب الحرية أن يفر برأيه إلى القرار رافضا التغيير عازما بالثبات مكتفي بقناعة فكره بغرور ينتسب إلى جيل الفشل ، فنحن إذن من جديد من رمينا أنفسنا الحالمة تلك في مجرة السقوط.
هكذا قتل سيمون زوجته الخائنة... أتعلمون من هي الزوجة ؟ هي تلك النفس التي أبت أن تنفصل عن قيود التغيير بصنعة التمسك و التتبع ، التي حاولت أن تعبث بحياة رجل ، التي أنقعت خوف النجاح في جميع أجزاء الجسم المرتبطة ، فصنعت له أرض ملغمة يمر فيها كفراغ يتنكد من فراغه ، كأنه يساند الاحتضار. فراودته يوما حيرة التأقلم داخل تلك الارض ، تأمل و تأمل من تلاعباتها ، و خجل هو من نفسه عل تقبله للخضوع ، لكن منذ حينها انبثقت عقلانيته و وجد مركزيته و أخضع أحلامه لنفسه و ما تريده تلك الروح داخل جسده .
أغلق الستار ... و قام الجمع من الجمهور يصفق بحرارة على مسرحية الدكتور سيمون و الطلاب آدم و ألفريد وكين اللذان كانوا في المرتبة الأخير من ترتيب جميع طلاب الصف...
أراد سيمون بتواضعه أن يقنعهم أنهم يستحقون كغيرهم تصفيقات الجمهور ، و ان يقتل اليأس الذي استوطن قدراتهم ، فقد كان الدكتور يجن عقله من كلمة لا أستطيع ... قام بدفع كبن في المقدمة لتلقي الكلمة الاخيرة ، فتقدمت كين بثقة كبيرة و بدأت الخطاب لكن ليس ذلك المكتوب في ورقة العم بل المكتوب على قلبها بعد تلك التجربة و أخذت تقول :
إلى الذين استوقفت أحلامهم ظروف ...
و انكسرت قلوبهم الما ...
إلى الذين ألزمهم الكبرياء البكاء سرا ...
هؤلاء الذين فقدوا الطريق ...
الذين يحلقون حول أنفسهم في الظلام ...
و لم يجدوا من يسمعهم ...
أرجوكم تخلوا عن اليأس ...
لا عن أنفسكم ...
لا عن أحلامكم ...
و إن لأمنيتي هذه ستصل إليكم يوما ما...
فاسمحوا لي ان أمسك بأيديكم ...
تأثر الجميع بكلماتها و خيم الصمت مهلة و ما إن خطت خطوتها للعودة للوراء حتى وقف الجمهور ثانية كالموجة منبهرا بتصفيقاته كأن التصفيقات تلحن هل
حقا هذه كين ... ؟!

تصويت

999

رقم:43290