طفل المطر

صخب, العالم صخب والشوارع صخبة مليئة بالسيارات والمارة, الجميع يصدر صوتاً, لكن .. في أي شارع أنا ؟! أرى هذه المتاجر والأرصفة لأول مرة !, مناظرأراها لأول مرة في حياتي.
إنها ليست مدينتي, الصخب مازال مزعجاً, حاولت أن اتكلم مع احد لكن لم يلتفت إلي, الكل مشغول بهاتفه المحمول او واضعاً سماعات الأذن ولم ينتبه إلي او بالتحدث الى الشخص الذي بجواره. دخلت احدى المتاجر وجدت البائع يتكلم مع احد الزبائن ولم يلحظ وجودي, حاولت أن أكلمه لكن لم يسمعني وكأني لست مسموعا أمامه.
غادرت المتجر, كنت متسائلاً ماالذي يحدث لي ؟!, هبت نسمة باردة في الهواء واذا بصوت من الخلف يتكلم "هل تشعر به ؟", إالتفت خلفي بسرعة ثم رأيت ضوءأ مش و... فتحت عيناي.
إستيقظت مفجوعا وتنهدت بقوة رغم أن الحلم لم يكن بهذا الرعب لكن سماعي للصوت ورؤيتي للضوء هي ما اثارت بي الدهشة عند أستيقاظي, نظرت إلى الساعة رأيتها الرابعة صباحا, الوقت كان مبكرا للإستيقاظ. عدت ووضعت رأسي على الوسادة وحاولت أن أعود إلى النوم من جديد, أغمضت عيناي محاولا أن أعود إلى نومي وأن أكتسب دقائق أكثر لنومي قبل ذهابي الى عملي, أعتبرها لعنة كل انسان يعمل, لابد لي من النوم ليس لأني أستحق النوم بل لأنه على العمل غدا, وفجأة عدت أسمع الصوت من جديد "هل تشعر به ؟" فتحت عيناي متفاجئأ انه الصوت نفسه عاد إلي مجددا قمت مذعورا, من صاحب هذا الصوت ؟.
نظرت بإتجاه النافذة الذي يداعب ستائرها نسيم الصباح البارد, نظرت الى الساعة وجدتها السادسة إلا ربعاً, اي قبل موعد نهوضي بساعة تقريباً, يا إالهي أصبحت أحسب أوقات نومي على معيار وقت ذهابي للعمل. نهضت وتوجهت الى النافذة لرؤية الشارع الممل الذي أطل عليه وجدت السماء مليئة بالغيوم وكأنها ستمطر بالساعات القليلة القادمة.
قررت أن لا أعود إالى النوم من جديد, لا أريد أن أصحى مذعورا مجددا على صوت مجهول. قمت وقررت أن أخذ حماما صباحيا ليعوض لي مافقدته من حيويتي بسبب هذا الحلم المزعج. فتحت خزانة الملابس ألتقطت أول ماوضعت يداي عليه من قميص وبنطال, لم أبه لا الى ألوانهم أو تصميمهم فعذا ما أرتديه على الدوام. ثم نظرت الى المرأه ورأيت شكلي, لكنني هذه المرة صفنت في نفسي, ياإلهي الهذه الدرجة شكلي يوحي بالياس ؟.
منذ فترة ليست بالقصيرة أصابني نوع من الملل من روتين حياتي, لقد سافرت وتغربت بعيدا عن عائلتي لاجل العمل, والى هذا اليوم لم أستطع ان أتاقلم في هذا البلد الجديد, رغم انني أتكلم نفس اللغة, والعادات شبيهة, لكن لن أستطع ان أكون صداقات ولاحتى علاقات مع العابرين. ومازالت أعتبر نفسي من الغرباء عن هذه المدينة.
أمضي معظم يومي بالعمل وأعود منهكا في المساء بعد غروب الشمس, وأمضي مسائي بقراءة الكتب أو بمشاهدة شيء على التلفاز. في عطلة نهاية الأسبوع أقوم بتنظيف المنزل والذهاب ألى التبضع للمنزل.
أصبحت الحياة كشريط قديم يعيد نفسه وأنا مجبر على سماعه, لكن اليوم استيقظت أبكر لأبدا بالاستماع للشريط. أنهيت استحمامي وتناولت افطاري الأعتيادي واحتسيت كوب القهوة من دون ان أشعر بطعمها. أخذت المفاتيح وخرجت لعملي.
نفس الطريق, نفس الأرصفة وحتى نفس أشارات السير, وحتى الواجهات, الى ان وصلت الى مبنى عملي, وجلست على مكتبي. كانت صديقتي زهرة الحبق الموضوعة على مكتبي تنتظرني أن ألقي عليها التحية وأن اضعها بجوار النافذة لتستمتع بضوء الشمس الصباحي. واثناء وضعي للنبتة على شرفة النافذة لاحظت أن ضوء الشمس محجوب عن المدينة قليلا, كانت ألوان المباني والأرصفة أوضح وأنقى أقل فتوحا مما تبدو عليه في العادة, وبدت المدينة أنقى وأهدأ مما هي عليه, بدأت وكأن السماء عليها بوادر بأن تمطر.
تكلم زملائي يتكلمون عن أحوال طقس وأنها سوف تمطر اليوم بعد الظهيرة مصاحبة برياح خفيفة, في البداية لم أصدق هذا الخبر, أحسست بفرح ,كأن صديقا لي أشتاق له كثيرا قادم لزيارتي. عندما أظهرت حماستي أمام زملائي استغربوا. ووصفوني كالطفل الصغير في أيام العيد.
لم أستطع أن أركز في عملي, بين فترة وأخرى أنهض من على الكرسي وأطل من النافذة وأراقب حركة السماء متشوقا على عكس زملائي اللذين كانوا لا يابهون بنزول المطر اليوم. بدأت السماء بأكتساء اللون الأزرق الغامق, والهواء بدا يزداد هبوبا, ولاحظت ان الشوارع بدأت بأن تخلو من الناس وحتى من السيارات, سمعت من أحد زملائي أن مدرسة ابنه طلبوا منه ان يأخذ ولده ويعيده الى المنزل تحسبا من أنه عدما تمطر لن يستطيع ان يعيده لأن الشوارع لن تكون آمنة.
الجميع كان متخوفا من فكرة ان المطر قد يسبب اضرارا, فالمدينة هنا ليست مجهزة لإستقبال المطر, والناس بدأوا بالهلع, مما جعل قسم الموارد البشرية أن يرسل خطابا لنا على بريد العمل طالبين منا ان نعود الى منازلنا لسلامتنا. الجميع بدا سعيدا لهذا الخبر وبغضون دقائق كان المكان خاليا. لم أستطع ان استوعب الأمر في البداية لماذا الناس يخافون من نعمة أنزلت من السماء كالمطر؟. أعدت النبتة الى مكانها وغادرت مكتبي.
أثناء قيادتي الى المنزل بدأت السماء بالرعد وبدأ هطول المطر, الجميع كان مستنفرا من على الطريق وأصوات ابواق السيارات كانت تصدر ضجيجا مزعجا, وصلت الى المنزل بأعجوبة, لكنها كانت لاتزال تمطر, وقفت امام شرفة مطلة على شارع خلفي, لم أرى اي انسان, جلست وبدات انظر الى المطر واستمع الى صوته وأشم رائحته.
توقف الوقت, وساد فراغ صامت في الكون, ذهبت بروحي الى أبعاد لم افهمها, وكأن العالم قد تغير لأجلي, فتحت عيناي وكان صدري منشرحا ومضيئا نحو السماء مخترقا الغيوم السوداء واصلا للأفق عاليا. صرخت بصوت عالي وبت لاافهم نفسي ولم أعد أنا. أنا الأن طفل صغير أؤمن أني أستطيع الطيران كالعصافير, أن أتنفس تحت الماء كالأسماك, أن أتكلم مع الأشجار, وأن أطوف في الفضاء بين النجوم.
لم أستطع أن أبقى واقفا متأملا المطر من النافذة, اخذت سترتي وهرعت الى الشارع, وبدأت قطرات المطر تغسل روحي, وكأنني شجرة عطشى, ترقص بأفرعها على أغنية المطر. تنفست الصعداء وخسرت نفسي بين قطرات المطر, وبدأت أمشي على الأرصفة الفارغة من السكان, البعض بدا يركض للأحتماء تحت اسقف المتاجر, والبعض ناداني واخبرني تعال و قي نفسك معنا. لكن لم أعرهم أي اهتمام, نعتوني بالمجنون, كيف لإنسان عاقل ان يمشي بهذا الطقس ويبلل نفسه بهذا الشكل ؟, تجاهلت اصواتهم وأكملت طريقي الى وجهة لاأعلمها.
تبللت ملابسي كلها بالماء, وغسلني الشوق للحظات كنت أعيشها مع عائلتي عندما تمطر, عندما كنت العب مع اخوتي تحت المطر, وأن نقفز على الحفر الصغيرة في الأرصفة والطرقات حيث يتجمع فيها الماء وتصبح كالبركة الصغيرة, عندا نقفز في البركة يتوحل الحذاْ ويتبلل ويتطاير الماء وتنثر القطرات وتتلألأ وتلمع راقصة على صوت جميل وتتناثر كشهاب في الفضاء حامل امنيات الأطفال.
وهاهي البركة أمامي تبعد عني أمتار قليلة, وانا طفل صغير أعادني المطر الى عوالمي التي كنت أؤمن بها, بأحلامي البريئة وأمنياتي اللطيفة, أنا شجرة حالمة, أنا طائر حر, أنا سمكة راقصة, أنا ..... طفل المطر.
ركضت, قفزت, وتوحلت في البركة وجعلت الماء يرقص ويتلألأ, ووجدت بركة أخرى وقفزت, وبركة أخرى وأخرى, أبحث عنهم واقفز, واتذكر ايامي الجميلة, عنما كنت اقفز مع اخوتي ونتابق عليها من يقفز أولا, أما اليوم فانا وحيد, كبرنا وتفرقنا, كل منا في مكان, وانا الأن طفل وحيد, ركضت على بركة وفقزت عليها, هذه لأخي الأكبر, وقفزت على اخرى, هذه لأختي, وهذه لأخي الأصغر ...
تكلم الرعد بصوت عالي, توقفت هاهو بكل سرعته اعطى الأرض ضوئه, كما تعطي قطرات المطر روحها لتنبت بذرة ضائعة جعلها القدر وحيدة, صرخت للرعد بصوت عالي, أاااااااااه, وعدت أصرخ وأصرخ ... وبداخلي أقول " أيها الرعد أنا اسمعك" تكلم الرعد مرة اخرى وأنا أصرخ له كل آلامي واشتياقي لعائلتي ولأصدقائي, أصدقائي اللذين عشت معهم اجمل ايام حياتي, سنين قضيناها معا في سرائنا وضرائنا, وتواعدنا أن نبقى اصدقاء الى الأبد وأن نظل نتابع أخبارنا ونتواصل, لكن الكلام كان سهلا, والصداقات ليست جميعها صادقة, البعض يفترق, وأخرون يهملون, أما أنا .... فأصبحت وحيدا.
لاأريد أن أحزن وسط المطر, تنفست الصعداء, وامتزجت دموعي مع قطرات المطر, أكملت المشي مبللا, الى أن رأيت شجرة وحيدة, ترقص مع المطر, بدت سعيدة, متفائلة, تحرك أفرعها وتناثر أوراقها. لا أعلم منذ متى وهي متمسكة بجذورها على هذه الأرض, عاشت سنوات ؟! عقود ؟ أجيال ؟ أم قرون ؟؟ّ!! كم تمنيت أن أكون مثلها وأن أبقى في أرضى مع أحبائي وأن لا أضطر ال الرحيل. اقتربت منها ومازالت ترقص مع الهواء اللطيف وقطرات المطر الناعمة, وضعت كف يدي على جذعها لأسلم عليها, أغمضت عيني وامتزجت روحي مع روحها وأوصلت الي رسالتها أنني ولدت لأرحل وأكتشف بينما هي تتمسك بالارض وأننا خلقنا لأقدار مختلفة لكن مهما كانت أقدارنا, فنحن نتشارك الأمل, العطاء, الحب, والصفاء. أخبرتني "النور قادم كن شجاعا ... صديقي" فتحت عيناي و كانت مازالت ترقص, قبلت جذعها وقلت "الى اللقاء".
مشيت قليلا ونظرت لأعلى, السماء أصبحت سوداء, والقمر والنجوم غائبان عن الأنظار, يالهذا الكون ولدنا لنتناوب اللحظات, كيف للحظة تجمع المحبين جميعهم في مشهد واحد ؟ّ! هل هي مستحيلة ؟! ... هل سأعيش لحظة كهذه يوما ما ؟ّ!!.
بدا المطر يخف قليلا وكأنه يأخذ استراحة قصيرة من بعد كلام كثير. قلت " كنت صديقي اليوم أيها المطر, بينما الجميع قد هرب من قطراتك, رأيتك مازلت سعيدا تهدي جمالك للارض, كم أنت كريم ومتسامح" ابتسمت للسماء... ثم سمعت صوتا "هل تشعر به ؟!" خفق قلبي !! هذا الصوت !! ...
انا لست في حلم, ولا أريد ان أكون في حلم, أرجوك أيها الحلم لاتخذلني, كن واقعا الأن !! ف أنا الأن أشعر, نعم أنا أشعر !! أشعر به. أنا في الواقع ! السماء غسلتني بالمطر والرعد كلمني والشجرة صادقتني والقمر اشتاق لي ... نعم ... أنا أشعروالتفت الى الخلف.
ارى نورا, طيف جميل مبتسم, فتاة مبللة, حالمة مبتسمة, متوهجة, وكأنها انتهت للتو من الرقص مع المطر. كانت تتنفس بحماس, أنها نور أضائت الشوارع والطرقات الفارغة, أنها نور أضائت السماء المظلمة التى حجبت القمر, انها نور أضائت قلبي المشتاق لعائلتي وأصدقائي, انها النور التي أخبرتني عنها الشجرة بأنها قادمة ...
"نعم ... أشعر به !! "
كانت مبتسمة وعيونها حالمة, ومجنونة مثلي, ملابسها مبللة. رفعت يداها عاليا وقالت " أنا أشعر به أيضا !!"
صرخت مبتسما " وأنا أشعر به أيضا !!"
ضحكت !! .... وضحكت أنا أيضا ... اقتربت منها ولم أستطع أن اتكلم. قالت لي " كنت انتظرك منذ الصباح !!" صدمت !! .. هل كنت في حلمها أيضأ ؟؟؟!!! .... "أسف جدأ !!! " أنت من وجدتني !!"
"لا عليك ... كنت متأكدة اني سوف أجدك" وكأنه أتى المطر اليوم لينسينا يأسنا ليجمعنا معا ونكمل القصة سعداء مدركين أن عند انتهاء المطر حياتنا لن تكون كما كانت.
مدت لي يداها ! .... وأعطيتها يدي !! ورقصنا مع المطر ...
.... انتهى

تصويت

32

رقم:43292