في غياهِبِ الحُبّ

عمران أخي،..
بعد أربعِ سنواتٍ عِجافٍ وثلاثِ بناتٍ أنجبتهنّ فيها، حملتُ أخيرا ابناً ذكرا بين يديّ. وليسَ الذّكرُ كالأنثى يا عمران !
سّميتُه "عمران" على اسمِك كما تمنّيتُ دوما.
ولكن أتعلم ؟ لم يكن يشبهك أبدا، لم يأخذ لونَ البُنّ الذي كان في عينيك؛ ولا بشرتَك الحنطيّة، لم يأخذ شكل أنفِك الدّقيق ولم يُشبِهْك في شيء. لربّما لم تشتركا سوى في الإسم..
أراحَني هذا الأمر كثيرا يا أخي، تعْلم تماما أنّي لا أريد له أن يُشبهَك.. قلبُ الطّائر الذي كان ينبض داخلَك لا أريد لابني أن يأخذه.. حتّى جناحا أمَلِك اللذان لطالما أبدلتَ بهما يديك القصيرتين وطِرت بي إلى عوالمِ الفرح لا أريد لعمران ابني أن يمتلكهما.
يداك اللتان لم يكن ذنبك أن تولد بهِما؛ تلك اليدان "المشوّهتان" كما كان والدُنا يصفهما دوما.

لأوّلِ مرّة أخاف..
خِفتُ أن يكون ابني مثلَك وأن أكون له كما كان أبي لك.. !
ارتجف صوتي حينما لقّنتُه الآذان، أسرعت لأن أنفث في أذنيه الصّغيرتين استعاذةً من أن أفعل به ما فعل أبي بنا.. أخبرتُه أن يطمئنّ؛ بأنّي لن أدّخر أيّ شيء في سبيله.. أخبرتُه أشياء كثيرةً لا تحضرني، ولا أظنّ أنّها ستحضره حينما يكبُر.. لكن لا بأس؛ فقد شعرت ببعض الرّاحة عندما فعلتُ ذلك. وجئت ألتمس عندَك يا أخي ما بقي من راحتي.
أتذكر؟ أتذكر دُميتَك الصّوفيّة.. تلك التي صنعتها أمّي من ثوبِها الأخضر وحشتها بالصّوف وطرّزت تحت العينين المتّخذتين من أزرار سترة أبي؛ طرّزت تحتهما ابتسامةً بخيطٍ أسود؟
يومَها غابت ابتسامتُك وأخبرتَها أنّك تتمنى لو أنّ ابتسامة الدّمية ورديّة..
أخبرتك أمّي أنّها تعمّدت جعلها سوداء كي تسود الإبتسامةُ وجهَ دميتِك ووجهَ دنياك أيضا..
كذبَت أمّي مرّتين : الأولى حينما لم تخبرك أنّها لم تملك سوى ذاك الخيط الأسود، والثّانية حينما أخبرتك أنّ الإبتسامة ستسود حياتَك لكنها لم تفعل أبدا...
كانت الدّمية مخيفةً ولم تكن تعجب غيرك يا عمران، بشعةٌ بالقدر الذي كانت عليه حياتُك؛ وحياتي من بعدك يا أخي.
لم تقصد أمّي أن تُقصّر يدي الدّمية، لا أظنّ أنها قد قصدت ذلك.. لربّما لهذا السّبب تعلّقت بتلك الدّمية كثيرا؟ لأنها تشبهُك ربما؟ أم لأنّها الوحيدة التي لم تذكّرك باختلافِك..

حنونا جدّا كنتَ، بقلب الطّير؛ بل أنقى.
أتذكر يا عمران حينما كنت في العاشرة من عمري.. يوم أردتُ لعبة السيّارة التي تجرّ عربة ؟ أردتُها بشدّة، لم يكن بوسع أمّي أن تخيط لي ما أردت مثلما فعَلَت معك. لذلك فقد بكيتُ كثيرا تحت شجرة الصّفصاف؛ نادتني أمّي بصوتٍ حانٍ ونظرةٍ مكسورة :
- عبدَ القادر ! ما باليد حيلةٌ يا صغيري. قم وكفكف دموعَك !
قالت ذلك وهي تشير إليّ بقطعة خبز بالزيتون، خبز الزّيتون الذي كانت ترسله لنا جارتنا أمّ أمين كلّ يوم جمعة.. أنتظره كلّ جمعة.. إلا هذه المرّة؛ لا أريد الخبز بالزيتون، كلّ ما أريده هو تلك اللعبة يا أمّي...
امتنعتُ عن الذّهاب لأمّي وفقدت الأمل هي الأخرى في إرضائي بعد رفضي حتّى لخبز أمِّ أمين. عادت والدتُنا لتختفي داخل منزلنا العتيق، وعدت أنا لنوبة بكائي.
أتيتَ إليّ يا عمران بعينيك الدّامعتين، قرّبتَ إليّ دُميتَك :
- خذ يا عبد القادر، لم أعد أريد دميتي.. بإمكانك أخذها.
كانت الدّمية بشعة للغاية، بيدين قصيرتين مثل يديك يا عمران لكن أعلم الآن كيف أنّ يديك لطالما كانتا مبسوطتين، لطالما كنت طيّبا حانيا عليّ يا أخي.
وأنتَ تنظر إليّ بعينيك البارقتين بالدّمع وضوء الشمس الذي يحيل البنّ فيهما إلى لون العسل، قرّبتَ إليّ ذاك الشّيء الأخضر الذي كانت حياتُك معلّقة به، "دميتك"...
لم تكن يداك لتصلا إليّ لكنّهما حتما أوصلتا إليّ إحساسا طوّقني ألف مرّةٍ؛ ومرةً أخرى بعد ..
لم تمنعكَ سنواتُك الخمس مِن أن تؤثرني على نفسِك، وأن تقدّم سعادتِي على سعادتِك. رغمَ أنّي لم أكن أبادلك شعورَك ذاك فلطالما كنت أشي لأبي عنك، أخبره أنك تبلّل فراشَك وأمكث أراقب توبيخَه لك..
تتسلّل إليّ ذكرياتنا في غرفة بيتنا القديم، تلك الغرفة الباردة ذات السّقف الخشبي الذي تتسرّب إلينا منه بعض قطرات المطر إن هي هطلت بغزارة. غرفتنا التي جمعتنا كلّ ليلة ننام تحت سقفها، نفترش اللحاف المخطّط ونتغطّى بالبطّانيّة التي رُسم عليها النّمر.. نلعب معه ونتسامر حتّى يغلبنا النّعاس. حتما تذكرها.
شاهدةٌ هي على تلك الليلة، كانت إحدى ليالي كانون الثّاني، ليلة باردة في تلك الغرفة. ينام أخونا الأكبر عصام في الزّاوية هناك إلى جانب الجدار، في فراشه الذي كان يبدو لنا امتيازا لن نحظى به قبل بلوغنا سنّه. وأنام أنا بينك وبين عبد الحفيظ؛ لربّما كان يجب أن يأتي عبد الحفيظ بيني وبينك بحكم أنّه يصغرني ويكبرك؟
ليلتَها بلّلت فراشنا وأيقظتَني بيديك المرتعشتين من البرد أو ربما من الخوف. لا أعلمُ لم لجأتَ إليّ أنا بالذّات رغم أنّي لم أكن أبدي لك أيّ مشاعر للحنان أو الشّفقة. بل على العكس تماما؛ كنت أنا من يحرّض أبي عليك !
كان الضّوء الخافت القادم من تحت الباب يسمح برؤية ملامحك، خائفا كنت؛ راجيا.. تنظر إليّ والأمل يحذوك.. لا أعلم من أين أتيت بكلّ ذلك الأمل والرّجاء.. كيف انتظرتَ منّي أن أساعدَك يا عمران؟
استويتُ جالسا أرمقك بعين واحدة والأخرى ماتزال تتشبّث بالنوم. يقابلني خيالك؛ قاعدا على ركبتيك وتشدّ على ذراعي بكلتا يديك. نفس اليدان اللتان منحتاني ذات يوم أغلى ما ملكَتا.
أشارت إليّ عيناي النّاعستان بضرورة العودة الى النوم.. أملت عليّ نفسي أن أخذلك، أن أعود إلى سابع نومي وأدفنَك تحت سابع أراضي الخيبة..

لكنّ الفجرَ بزغ ليضيء نورُه دمعةً متلألئة على حافّة عينِك. أطرقتَ رأسَك استسلاما ورفعتُ لك بياض الإزار نافضا من عينيّ ما بقي عالقا فيهما من النوم.
كان منظرُك ظريفا صدّقني.
- قم يا عبد القادر؛ ساعدني أرجوك فقد بلّلت الفراش !
- تشبه الدّجاجة المبلولة يا عمران !
رغم هول ما أنتَ فيه غير أنّك ضحِكت حتّى غارت عيناك في وجهك، بريئا كنتَ، بريئا جدّا يا عمران..
أسرعنا وأخفينا جريمتَك؛ لم يطُل الوقت حتّى أطلّ الصباح. أجلس القرفصاء بوجهٍ متجهّم وتقابلني مسندا رأسك إلى ركبتيك وتحضنهما بيديك اللتين لا تكادان تصلان إلى بعضهما. ترسل إليّ بين الحين والآخر ابتسامتَك. أعترف أنّك كنت ظريفا جدّا.
صدّعت رأسي يومها وأنت تضحك على عبارة "الدّجاجة المبلولة" وبقيتَ تردّد عباراتٍ مشابهة :
- "حمامةٌ مغسولة، بطّة مشلولة".. وتقهقه ببلادة حلوة.
أتعلم؟ أنا اليوم ممتنّ جدا لتلك الليلة، سعيدٌ لأنّي لم أخذلك. سعيدٌ جدّا لأنّي وقفت إلى جانبك ولو لمرّة يتيمة.
ربّما سيشفع لي فعلي ذاك عندك وتجيبني الآن فأنا بحاجتك يا أخي؛ بالقدر الذي احتجتني فيه تلك الليلة...
مستعدٌّ أن أمنحَك ما يساوي عندي قيمةَ دميتِك الخضراء بالنّسبة إليك، مستعِدٌّ أن أدفع نصف عمري مقابل أن أعيش معكَ نصفَه الآخر، فقط أجبني !

لا تُكلّمُني منذُ وقتٍ طويل.
منذ كنتُ في الصفّ السّادس، كان يجب وقتَها أن تلتحق بالدّراسة في الصّف الأول لكنّ اعوجاجَ الظّروف وعدمَ تفهّمِ والدِنا حال دون ذلك.
اقترب العيد؛ اصطحبني أبي رفقة عبد الحفيظ وعصام في الحافلة باتّجاه المدينة لشراء لباسٍ جديد فيما بقيت أنت في المنزل. لم تشفع لك توسّلاتك لأبي كي يأخذك معنا؛ رجوتَه كثيرالكنّه اكتفى بالقول أنّه سيأخذك لاحقا إلى المدينة. كَكلّ مرّة...
لكن يبدو أنّ أبانا كان يستحي بك، يستحي من أن يظهر معك بعاهتك تلك فقد كنتَ عقدتَه.. جميعنا كان يعلم عداك.
لم تكُن وعودُه الكثيرة بأنّه سيصطحبك إلّا سبيلا يسلُكُه في رغبتِه للخلاص من إلحاحِك، مرّاتٌ كثيرة طلبتَ فيها، لكنَّ أيّا مِنها لم يلقَ القبول.
ذهبنا إلى المدينة واقتنينا سراويلَ وقمصانا، كانت ثلاثتُها متشابهة لكنّها كانت مختلفة تماما عن الألبسة التي اعتدنا ارتداءها، تلك المخاطة غالبا من ثياب أبي القديمة؛ أو من الفساتين التي ترسلها لنا بين الحين والآخر سيّدة عجوز من معارف أمّ أمين.
بالإضافة لتلك الثياب، اشترى أبي لثلاثتنا أحذية بلاستيكية أسعدتنا جميعا ما عدا أخينا الأكبر عصام الذي اعترض قليلا قبل أن يقتنع بأنّ حذاءا بلاستيكيا يقيه الحرّ والقرّ سيكون أفضل بكثير من أحذيتنا التي تكبرنا بكثير وأما ما ناسبنا منها فهو مهترئ من كثرة الارتداء.
عُدنا مساءا لنجدَك بانتظارنا عند باب المنزل، تجلس القرفصاء قبل أن تهبّ فجأة حينما رأيتَنا نقترب. فرحين كنّا بثيابنا. دخلنا نريها لأمي على مرأى منك.
تبتسم مع ابتسامة كلّ واحدٍ منّا وهو يُري أمّي لباسه بفرح.. كانت ألبستنا متشابهة تماما لكنّ ذلك لم يمنعنا أن نريها لوالدتنا تباعا، ولم تملّ هي الأخرى من رؤيتها الواحدة تلو الأخرى والإطراء عليها في كلّ مرّة.. كما لم يمنعك ذلك أيضا من أن تراقب باهتمام بالغ كلّ ذلك.
انمحت ابتسامتُك حين أحصينا ألبستنا.. كانت ثلاثةً لا رابع لها، يبدو أنّكَ توقّعت ذلك من قبل وهذا ماهوّن عليك الأمر. لتكتفي بسؤالك الموجّه كسهمٍ إلى قلب أمّي :
- متى ستطولُ يداي يا أمّي ؟
كانت تلك المرّة الأولى التي تقول ذلك، اهتزّ قلبُ أمّي على وقعِ كلماتِك.. لم نكن نعلم أنّك تفهم كلَّ ما يدورُ حولَك لكنّك كنتَ صابرا. تساءلت أمّي عن السبب بصوتٍ مرتجف مُشفق رحيم فأجبتها قائلا:
-كي يصطحبَني أبي إلى المدينة ويشتري لي مثل عبد القادر والبقية.
- لِم لمْ تقل عبد الحفيظ ؟ لِم أنا ؟؟
- مقاسُ سروالك أصغر من سراويلِهم.
أجبتَني بسذاجة.
جاءت ليلةُ العيد بفرحتِها وروحانيّتها، يُخرج كلّ واحد منّا لباسه ويرمقه بنظراتٍ طويلة قبل أن يقوم بقياسه عشرات المرّات في انتظار طلوع شمس اليوم الموعود حتّى يرتديه.
كنتَ تراقبنا بصمت، بظرافة وجهك المعهودة. وقفتَ عند الباب حيث بإمكانك رؤيتي بوضوح أمشي ذهابا وإيابا مرتديا ثيابي الجديدة.
- أرجوك يا عبدَ القادر أريد أن أرتديها لبعض الوقت.
رفضتُ بشدة وكرّرت عليّ طلبك المرّة بعد الأخرى ترجوني أنّك لن ترتديَها لوقتٍ طويل:
- مِن هنا وحتّى باب الغُرفة يا أخي رجاءا !
لم أكُن لأرى وجهَك الذي تَمثّلَ الرجاءُ في تقاسيمِه هذه المرّة؛ لم أكن لأسمعَ حشرجة صَوتِك المنكَسِر على حافّة ثَغرِك. فقد كنتُ منشغلا بِما يصرفُني عنك.
ليْتَك طلَبتَ من عبد الحفيظ ولم تلحَّ عليّ، ليتَني فقط سمَحتُ لكَ بقِياسهم ليلتَها. ليتَ الرّجاءَ يَعودُ يومَا لأخبرَه بما فعلَ 'الدّبيبُ' .. نعَم يا أخي فإنّ دبيبَ تلك النّملة قَد أنهَك روحِي..
- أنظُر يا عمران هناك نملة تمشي على قدَمِك، أنت لا تظُنّ حقّا أنّي سأسمح لك بأن توسّخ ثيابي بتلك النّملة، أليس كذلك ؟؟
- لقد صرفتُها !
- اممم حسنا، سأسمحُ لك أن ترتدي ثيابي غدا بعدما نعود من بيت عمّي 'بشير'؛ حين أتأكّد أنّك قد تخلّصتَ من تلك النّملة وأنّك لن توسّخَ ملابسي.
كانت تلك الطّريقة الوحيدة التي أصرفُك أنت الآخر بها. فرِحتَ جدّا و أزهر وجهُك الظّريف الذي أشتاقُه جدّا.
صرفتَ تلكَ النّملة يا عمران لكنّي لم أستطِع أن أفعل.
تمامًا كذُبابةِ النّمرود، ظلّت تِلك النّملة في رأسي يا أخي، يُذكّرني دبيبُها بالمرّاتِ التي سعيْتَ فيها إليّ طالبًا منّي دقائقَ معدودة في تلك الثّياب، ولكِن دونما أن ألبّيَ أنا وياليتني قد فعلت !
ليتني فعلتُ كي أرتاح من تلك النّملة. وكي لا تبقى في رأسي طوال هذه السّنوات.
كان النّمرود يضرب رأسَه كي يُسكتَ ذبابتَه.. لكنّي كلّما ضربتُ رأسي وجدتُني أضرِب بعِصيانِه لي بحرا من الذّكريات حتى ينفلِق؛ فإذا انفلق وجدتُ فِرقيه العظيمين يتقاذفانني بين أن آتيَ إليك أو أن أهرب يا أخي منك...
أغرقُ في بحري يا عمران وأتمنّى لحظتَها لو أنّي انصعتُ لك، لو أنّي آمنت بك.. الآن وقد رفضتُ من قبل ؟

قضَت أمّي ليلتَها وهي تحاول بلا جدوى خياطة قميص لك في تقليدٍ لقمصاننا بقماشٍ مطبوع بالأزهار. أنهته وقدّمَتْه لك.
- جميلٌ يا أمي لكنّي لن أرتديه حتى أقيس لباس عبد القادر فقد وعدَني بذلك.
لابدّ أنّ كلماتِك قتلت أمّي ألف مرّة.. مالذي يجعلهم يقرنون الفقرَ بالسعادة؟ لا أعلم أيّ منطقٍ هذا؟ ذلك الذي يصوّرُ لهم أنّ الفقرَ قد يُسعِدُنا بينما هو سبب مآسينا.. وحتّى لو لم يكُن الفقر سبب ما نحن فيه فهو على الأقل لم ينتشلنا من تلك التعاسة. فأيّ سعادةٍ هذه التي يجلبها الفقر بالله عليكم !
أكاد أجزم أنَّ أيّا مِن أربعتنا لم ينم ليلةَ العيد، كَكلّ الأطفال ننتظر العيد بلهفة، وحتّى اليوم يا أخي بعد كلّ هذا العمر أنتظر العيد بلهفةِ طفلٍ لارتداء ملابسِه الجديدة، بفرحةِ فتاةٍ تزوّجَت بعيدا عن قريتها ولا يعيدها إليها سوى زيارةٌ في العيد. أنتظِر العيدَ يا عمران لربّما يعيدك إليّ، لرُبّما ألقاك ذاتَ فرحة..
لربّما أجدك في أحد زوايا الجُبّ لكنّني أتذكّر استدارتَه التي تخلو من أية زاوية..
أجد البئر فارغا يا عمران وكلما أرسلت واردي لا يعودُ إليّ بغلامٍ بيدين قصيرتين تمتدّان إليّ لأَسُرّه ببعض الدّراهم عيديّةً له..
منذُ ذلك العيدِ لم أرَكْ، ذلك العيد الذي انتَظرتَني فيه كَي تلبسَ سروالي الرّماديّ الذي تلوّنت حياتي بلونه فيما بعد.. وانتظرتَ أن تلبس قميصيَ الذي لا يتطبّع قماشُه بالورود كخاصّتِك..
صبيحتَها ذهبنا رفقة أبي لبيت جدّي وتركناك كعادتِنا، كعادةِ أبي في نبذِك والشعور بالخجل بك سائرَ الأيامِ وليس يومُ العيد استثناءا..

تركناك على عتبة الباب الخشبيّ الأزرق جالسا ببُنيتِك النّحيلة. تلمعُ عيناك شوقا لمرافقتنا لكنّ مرفقيْك يحولان دون ذلك، بالكادِ يُطوّقانِ صديقَكَ الأخضر..
متلهّفا لعودتنا كي تلبسَ ثيابا حُرِمت منها، متلهّفا لأن يبدأ عيدُك ولم نعلم بأنّك أنت العيد يا عمران.
عادَ أبي بعد ساعاتٍ إلى المنزل برفقةِ عصام، وبقيتُ أنا وعبدُ الحفيظ هناك في بيت الجدّ نحرص أن يرانا الجميع بتلك الثّياب. لابدّ أنّك انتظرتَني يومَها.. لابدّ أنّ ظنَّك قد خاب حين رأيتَ أبي وعصام يدخلان بدوني.. بإمكاني تحسّس وجهِك الظّريف وهو يفقد ابتسامتَه البريئة شيئا فشيئا، بإمكاني أن أرى عينيك اللتين حوّل ضوء الشمسِ لونهما إلى العسَل وأسال تخلُّفي عنك وإخلافي لموعدِك ذلك العسل ممزوجا بالدموع.
حينما عُدنا بعدَ ساعاتٍ إلى المنزل، كان النّاسُ يتجمهرون بالقرب من منزلِنا، كان ذلك العيدُ مختلفا فلم يعتد النّاس على القدوم إلينا في السّابق.. !
الأمرُ كان غريبا حقّا فالجموع غفيرةٌ جدّا بالقرب من منزلِنا.
اقتربتُ قليلا بين النّاس وبعضُهُم يمنعني من ذلك؛ لم أكن لأفهم لو لم أقترب وما كنت لأنسى بعدما فهِمت.
إنّه أبي يبكي! عجبا لأبينا القاسي الذي لا يكادُ وجهُه يُصدر أيَّ تعبير. إنّه يبكي يا عمران صارخا:
- قم يا عمران ، ألم تطلُب منّي اصطحابَك إلى المدينة؟ أعدكَ أنّي سأفعل !
صراخُ أمّي وأمّ أمين. تكبيراتُ النّاس، الصّدمة على وجوه الجميع؛ كلّها دفعتني بين الحشود لأنتهي وسطهم حيث يقف أبي، و ... وتنام أنتَ يا عمران. مبلّلا ولكن بأكملك هذه المرّة، أزرقَ الوجه والوجنتين.
- لقد مات! مات عمران !
لا أنسى بكاءَ ابي وهو يضمّكَ إلى صدرِه وهو الذي كان يتحاشاكَ دوما. أجزمُ لكَ أنّ بكاءه ونحيبه كانا مريرين بالقدرِ الذي أبكى كلَّ تلك الجموع.
أين كان كلُّ هذا الحُبّ ؟ تساءلتُ وقتَها ومازلتُ أفعل.
لرُبّما كان أبي يكنّ لنا حبّا لم يُطلعنا عليه، واثقٌ من ذلك. لرُبّما أحبّك حقّا لكن لم تعلم بحبّه كما لم يعلمْ هو الآخر.
لقد سُجِن أبونا في غَياهِب الحب فلم يستطِع أن يعلنه لنا.. وسقطتَ أنت في غياباتِ الجُبّ يا عمران دون أن تعلَمَ بحب أبي.


لابُدّ أنّكَ بقيتَ يومها في انتظاري لدى الباب حتّى ألْفاك أبي وعصام، بحثتَ عنّي خلفهما لكن دون أن أظهرَ لك.. لابدّ أنّكَ شعَرتَ بخيبة الأمل أليسَ كذلك؟
خمّنتَ سبب تخلُّفي وقادتكَ أفكارُك إلى نملةِ الأمس، تلك النّملة التي لاتزال تسكنني، ويُحدِث دبيبُها جلبةً دائمةً في أقاصي روحي..
أردتَ أن تتخلّص من تلك النّملة كما أريد الآن، أردتَ أن تتأكّدَ أنّني سأفي لك بوعدي ما إن تقوم بالشّرط. ما إن تتأكّد وتؤكّد لي أنّك لن توسّخ السّروال الجديد.
تشبّثتَ بحافّة البئرِ تريد بعضَ الماء لتغسل به قدميك؛ لكنّ قصَر ذراعيْك حال دون ذلك ككلّ مرة، كعادة ذِراعيْك، صعِدتَ كي تلمس قدماك الماء لكنّ الجُبّ أحبّك أكثر منّا، ضمّكَ الجُبّ قبل أن يفعل أبي، أخذك في أحضانِه ليبلّلَك دون أن يوبّخَك على ذلك...
تبلّلْت يا عمران بأكملِك ولم تكن خائفا من أبي.
صرخ أبي أشدّ من المرّات السّابقة، لكنّ صرَخاتِه هذه المرّة كانت من أجلك لا عليك. باكيا، راجيا كرجائك في تلك الليلة التي بلّلتَ فيها فراشَنا. ليْتَك تستيقظ للحظاتٍ كي تسمع ما يقوله أبي عنك، كي تحسَّ به يضمّك بشدّة ويرثيكَ، ليتَك تنهض وأعطيكَ سروالي الذي أردتَ وقميصيَ الذي أحببْتْ..


كثيرا ما نعيش في غياهِب الحب، نبقى أسرى له دونما بوحٍ به.. كأُسارى قد حُرِّم إخراجُهم والأصل فينا أن نُخرِجَه لا أن نخرُجَ منه..
لن تسعفنا الحياة دوما، قِصَر الحياة يا عمران كقِصر يديك؛ سيهوي بنا في غياهب جُبّ الكِتمان الذي حرَمك حضنَ أبي وحبَّه، وحرمَنا أيضا..
غياهِبُ جُبٍّ لا ترِده السيّارةُ فينتشِلوننا مِنه...
بئرُ الكتمان ذاك، هو الذي سيحرمُنا محبّةً وصُحبةً وسيأسرنا حتّى نعجزَ عن إيجاد ريحِ العشق الجميلِ الذي يأتينا مع قميص الفرج، ذلك الفَرج الذي تمثّلَ لك في صورةِ قميصي فقُدَّت فرحتَك مِن قُبُلٍ ومن دبُرٍ حتّى أكادُ أجزم أنّك لم ترَ ألوان الفرحِ قطّ كما لم يرَها أبوكَ بعدك. ابيضّت عيناه واسودّت حياتُنا.. وغابت الألوان بغيابك.
ماذا كان ليحدث لو أنّ أبانا احتضنك قبل أن يفعلَ البئر، وضمّك إلى صدره قبل أن يضمّك القبر ويعفّرَ التّراب ظرافةَ وجهِك.. !











إنّني أبٌ لعمران اليوم يا عمران، أنا الذي انتظرتُ طويلا قدومَه لأعوضَك فيه؛ شيءٌ ما أخبرني أنّني سأنتقِم لك من الجُبّ وأستخرج الحبّ منه.
ذاتُ الشيء يُخبرني الآن وأنا واقفٌ هنا على قبرِك أنّني كنتُ كأبي عمران، كأبينا !
نعم لقد كنتُ لبناتي كذلك ! ففي غمرة انتظاري لعمران أهملت أخَواتِه وفعلتُ بهِنّ ما فعل أبي بك وبنا.
تختلف أسبابُنا لكنّ الجُبّ واحد والنّملةُ ذاتُها...




انتهى.

تصويت

900

رقم:43308